البارت الأول *فرح وإبن العم* حصريه وجديده بقلم خضراء القحطاني

موقع أيام نيوز

البارت الأول *فرح وإبن العم* حصريه وجديده بقلم خضراء القحطاني 
لم تكن الساعة قد تجاوزت الخامسة صباحًا حين فتحت عينيها.
لم تحتج لمنبّه، فالأرق صار جزءًا من جسدها، كأنه حاسة خامسة لا تنام.
جلست على طرف السرير لحظة، تتنفس ببطء، تستجمع قوتها قبل أن تبدأ يومًا جديدًا يشبه الذي قبله، ويختلف عنه فقط في مقدار التعب.
نظرت إلى الباب المغلق، خلفه تنام بناتها الأربع.
أربع أرواح، أربع قصص، وأربع طرق مختلفة للألم.
قامت بهدوء، أعدّت الشاي، وبدأت في تجهيز الفطور بما تيسّر. لم تكن تشكو، لم تتعلّم الشكوى، لكنها أحيانًا
حين تكون وحدها تتساءل:متى كبرتُ إلى هذا الحد؟
خرجت فرح أولًا من الغرفة.
طويلة بعض الشيء، ملامحها أكبر من عمرها، عيناها تحملان وعيًا لا يليق بفتاة في السابعة عشرة.
قالت بهدوء:صباح الخير يا ماما.
ابتسمت الأم، تلك الابتسامة التي تخفي ألف خوف.
صباح النور يا حبيبتي.
فرح لا تسأل كثيرًا، لا تطلب، تعرف أن البيت هش، وأن أمها تحمل فوق كتفيها ما يكفي ليكسر جبلًا.
لكنها أحيانًا تتمنى ولو مرة أن تكون ابنة فقط، لا شريكة في الحمل.
عُلا دوى صوت الباب بعصبية.
خرجت عُلا، شعرها مبعثر، نظرتها حادة.
مفيش لبس نضيف؟
تنهدت الأم، ولم تجب فورًا.
تعرف أن عُلا لا تقصد الملابس، بل تقصد كل شيء.
البيت، الفقر، الغياب، الطلاق كلها تتكثف في سؤال واحد جارح.
هغسل النهارده، استحملي.
قلبت عُلا عينيها وجلست بصمت، صمت مليء بالتمرد.
هي لا تكره أمها، لكنها تكره الواقع، ولا تعرف كيف تفرّق بينهما.
منال لم تخرج.
كانت تجلس على سريرها، تضم دفترًا صغيرًا إلى صدرها، ترسم خطوطًا لا أحد يراها.
حين نادتها أمها، خرجت بابتسامة خفيفة، كأنها تعتذر لوجودها.
فطرتِ؟
آه.
كذبت.
لا لأنها لا تريد الطعام، بل لأنها لا تريد أن تكون عبئًا جديدًا.
أما تالا، فخرجت وهي تفرك عينيها.
اقتربت من أمها واحتضنتها دون سبب.
بابا هييجي امتى؟
تجمدت الأم لحظة.
السؤال نفسه، الچرح نفسه، منذ سنوات.
ربّتت على شعرها وقالت بصوت ثابت، رغم أن قلبها كان ينهار:لما ربنا يريد.
تالا صدّقت.
دائمًا تصدّق.
خرجت البنات إلى مدارسهن، وبقيت الأم وحدها.
غسلت الأطباق، رتبت الفوضى، ثم جلست قليلًا على الكرسي الخشبي.
وضعت يدها على صدرها، شعرت بثقل غريب، ليس ألمًا، بل مسؤولية.
أربعة أعمار، أربعة مستقبلات، وأم واحدة تحاول ألا تسقط.
همست لنفسها:أنا تعبانة بس لسه واقفة وكان ذلك، في حد ذاته، بطولة.
في الصعيد، كانت الحياة تسير بإيقاع أبطأ، لكنها أثقل.
البيوت متلاصقة، والناس يعرفون كل شيء أو يظنون أنهم يعرفونه.
كان يجلس في فناء البيت الطيني، يشرب الشاي الثقيل، ينظر إلى الأرض أكثر مما ينظر إلى السماء.
لم يكن فقيرًا، ولم يكن مرتاحًا.

تم نسخ الرابط