لست قلبي... الفصل الثاني بقلم الكاتبة / رباب حسين

موقع أيام نيوز

لست قلبي... الفصل الثاني
بقلم الكاتبة / رباب حسين

زلزالًا أعاد تشكيل الروح من جديد فلم يكن فقده صدمة عابرة.

حين يغيب من كان القلب يعرف طريقه نحوه دون دليل تصبح الحياة مساحة فارغة، تتحرك فيها الأجساد بينما الأرواح معلقة عند لحظة لم تكتمل.
في الصباحات التي تلي الوداع، لا يعود الزمن كما كان؛ الأماكن تفقد أسمائها، والأصوات تصبح بعيدة، والذكريات تتحول إلى سكاكين صامتة تُلامس القلب كلما حاول أن ينبض.
هنا.... لا تبدأ الحكاية من جديد بل تبدأ رحلة العيش بنصف قلب، وقبول حقيقة أن بعض الوعود لا تُكسر بل تُؤجل، وأن الحب حتى بعد المۏت قد يظل يبحث عن طريقه.

توقف الزمن عندها عند هذه اللحظة التي سمعت فيها خبر ۏفاته، رحل.... ليس هناك ما هو أقسى من صدى هذه الكلمة على مسامعها، بل كانت نيران تلتهم كل ما بقى بها من ملامح الحياة، لم تتقبل أن ترى أحدًا بعده، بل رفضت أن تسمع شيء بعد صوت نبضات قلبه التي كانت بمثابة صوت الأمان الأخير، ذلك الصوت الذي كان ينبض باسمها مودعًا؛٠ في ذات الوقت الذي أغمض فيه عينيه مستلمًا للمۏت لأجلها. 
تردد برأسها سؤال واحد؛ من سيحبني مثلك؟! ولم تجد الأجابة، فهي على يقين أن الأجابة ستكون: لا أحد.

لذا؛ أغلقت باب غرفتها عليها، لم تتحمل أنه دُفن وهي غائبة عن الوعي، لم تسنح لها الفرصة بأن تودعه فاختفى من حياتها كالمح بالبصر. حاول عاصم مرارًا أن يخرجها من هذه الغرفة فأبت، وحين شعرت بحزن والدها ومرضه الذي بدأ أن يشتد عليه؛ قررت أن تغادر تلك الجدران التي تشبعت بدموعها وتصدعت من صرخاتها، فخرجت إلى بهو ذلك المنزل بعد ستة أشهر، لا تزال تتذكر السعادة التي لمعت في عين والدها حينذاك، ولكن سرعان ما اختفت تلك السعادة حين اكتشف أن من تقنط معه ما هي إلا شبح ابنته، تعثرت ضحكاتها عند حافة شفتيها، فلم تجد سبيل لترتسم على ملامح ذلك الوجه الحزين، فلم يجد عاصم من يسانده في مساعدتها سوى منيرة والدة ليث، وبالرغم من حزنها هي الأخرى على فقدان أعز ما لديها بيومٍ واحد؛ إلا أنها لبت رغبة عاصم في طلب مساعدتها، فدعاء ليست مجرد حبيبة ابنها الوحيد ولكن هي من تولت رعايتها بعد ۏفاة والدتها فهي بمثابة بنتها.

ظلت محاولات عاصم ومنيرة إلى أن تقبلت دعاء الوضع بالتدريج ولكن كان هناك قرار بأن قلبها لن يعرف معنى الحب مرة أخرى.

بعد مرور ثلاث سنوات.

كانت دعاء تجلس بغرفتها شاردة كعادتها، أصبحت صديقة للكتب، تقرأ لتنسى كل شيء، وتفاجأت بدخول عاصم إلى غرفتها وهو يشعر بالڠضب الشديد قائلًا: هو أنا مش قولتلك إني هستناكي في الشركة النهاردة.

توطت تلك الصفحات ووضعتها أمامها ووقفت بهدوء أمامه وقالت: قولتلك يا بابا مش قادرة أشتغل، مش قادرة أشوف حد.
عاصم: ما هو مش هنفضل طول عمرنا كده، ٣ سنين دلوقتي مش عايزة تخرجي من البيت، خرجتي ٣ مرات بس وده عشان تزوري قبر ليث، طيب والشركة اللي إنتي وريثتها الوحيدة مين هيديرها وإنتي حابسة نفسك هنا؟! أنا مبقتش زي الأول، تعبت من كتر الشغل، وكل يوم أقول لنفسي بكره هتفوق لنفسها وترجع تشوف حياتها.
دعاء: حياتي وقفت بعده.
عاصم: وعايزة تخلصي مني أنا كمان يعني عشان ترتاحي؟! 
دعاء باندفاع: بعد الشړ عليك يا بابا أنا مليش غيرك.
عاصم: طيب حسي بيا بقى وإنزلي شيلي الشغل، النهاردة فيه عشا عمل مع شركة العشري، وشركة معروف مقدمة عروض أسعار أعلى منهم، وأنا محتار مش عارف أعمل إيه، شركة معروف دايمًا بتعمل تصاميم الديكور للمشاريع الكبيرة عندي في الشركة، لكن التصاميم اللي قدمتها شركة العشري مختلفة جدًا عجباني ده غير أن أسعارهم أقل، تعالي إحضري الإجتماع معايا وقرري معايا.

صمتت دعاء تفكر قليلًا ثم قالت: بس شركة معروف بتتعامل معانا من زمان جدًا، أعتقد ريسك إنك تغيرهم فجأة وخصوصاً إنك مجربتش الشركة ديه قبل كده.
عاصم: ما ده اللي شاغل تفكيري ومش قادر أخد قرار، تعالي معايا النهاردة. 
تنهدت دعاء بضيق وقالت: يا بابا أنا مش قادرة أشوف حد ولا أكلم حد.
صاح عاصم قائلًا: خلاص؛ أنا هقفل الشركة وأقعد جنبك في البيت، ونشوف حد يصرف علينا، بدل ما يقولو بنت عاصم الحلواني فشلت تدير شركة أبوها بعد ما ماټ.
دعاء: بعد الشړ عليك يا بابا متقولش كده.
عاصم: هو قرار، هتيجي معايا ولا أصفي الشركة؟!

وضعها عاصم في اختيار صعب، لذا لم تستطع أن ترفض طلبه فقالت: حاضر يا بابا، هاجي معاك.

ابتسم عاصم في سعادة منذ زمن طويل، فلم يكن فراق صديقه عمران هين عليه، فقد تحمل العمل وحده وذلك بعد أن وكلته منيرة بإدارة حصتها بالشركة، وأصبحت دعاء الآن هي طوق النجاة الوحيد.
_______________________

في منزل يخيم عليه السكون، قصر مزين من الخارج بالزرع والأزهار الملونة، على عكس القصر من الداخل الذي طغى عليه الحزن، وذلك بعد ۏفاة السند القوي وابتسامته.

يجلس مالك في هدوء، ليس لأنه هادئ الطباع وإنما لرزانة تفكيره العملي الذي يخلو من المشاعر، هو يرى أن العقل هو المحرك الأساسي، هو القوة الحقيقة للإنسان، ومع هذا الچرح الذي يسكن بداخله بسبب فقدان والده؛ لم يستطع أحد الإحساس بهذا الألم الكامن بداخله.

تجلس بجواره حسناء والدته التي تملك اسم يعبر عن جمالها الهادئ، هي رقيقة القلب، تحاول أن تقف على قدميها الهشة بعد فقدان زوجها العزيز، تنظر إلى مالك بنظرات تمني، تتمنى لو تراه مبتسم وسعيد، فهو منذ صغره وهو يتسم بالقوة العقلية والتفكير المنطقي؛ ولكن خيم عليه الحزن الذي طفأ لمعة عينيه ولم يعد كمان كان، بل أصبح أكثر هدوءًا بشكل مبالغ فيه.

ثم كسر صوت حسناء هذا الصمت القاټل فقالت: سمعت إن الشركة بتحاول تاخد مناقصة من شركة معروف.
كان مالك يركز بتناول الطعام فقال بنهم: اممم.
حسناء: الشركة ديه كانت دايمًا المنافس الأول لأبوك الله يرحمه.
مالك: متقلقيش، الشركة اتحسنت كتير وبقى عندي فريق بمنتهى البراعة في التصاميم والجرافيك، فا أنا مطمن جدًا.
حسناء: ربنا يوفقك يا ابني يارب، طيب هتعرف نتيجة المناقصة إمتى؟
مالك: المفروض بكرة، بس عاصم بيه طالب يقابلني النهارده، هنزل أقابله كمان ساعتين.
حسناء: مش غريبة ديه؟!
مالك: بس ده مطمني، واضح إن العرض عجبه وطالبني عشان يطمن من ناحية الشغل، على العموم هروح وأشوفه عايز إيه بالظبط.
حسناء: نفسي أفرح بيك وأشوفك عريس زي ما أنا فرحانة بنجاحك كده.
مالك: إنتي عارفة يا ماما أنا مش بفكر فيه ده دلوقتي، أو بمعنى أصح مش عايز أرتبط وخلاص، فا شيلي الموضوع من دماغك دلوقتي.

تنهدت حسناء بيأس، مالك شخصية معقدة للغاية، لا ينجذب إلى شيء بسهولة، ومنذ ۏفاة والده وهو زاد تحفظًا وصمتًا، فمرضه منذ صغره جعله منطوي عن أصدقائه، حيث أن قلبه الضعيف كان عقبة كبيرة في حياته لذا لم ينخرط بين أصدقائه، لم يشارك الأطفال في اللعب بسبب الإجهاد الذي كان يشعر به، ولم يطيب من مرضه إلا منذ فترة بسيطة، لذا ليس لديه أصدقاء إلا صديقه ومدير شركته يامن.

حل الليل، وفي لقاء لم يكن متوقعًا، لقاء تأخر لسنوات، وكأنه لقاء بمثابة شفاء لما في الصدور من وحدة ويأس، كان مالك يجلس بالمطعم في إنتظار عاصم، ولكن تفاجأ عندما ظهرت من خلفه تلك الفتاة التي أسرت أنفاسه منذ الوهلة الأولى، خطفت نظرات عينيه، وتجمدت مقلتيه وهي تتفصح ملامح وجهها البريء، ورأى الحزن الذي يسكن داخل عينيها؛ الذي أصاب قلبه بالألم، وكأنه رغب أن يضمها بين يديه يخبرها بأن حزنها يصيبه بالضعف؛ فلا تحزني.

اقتربت منه بخطى مرتجفة، تنظر حولها بتوجس وكأنها تخشى نظرات من حولها، تريد الفرار من أمامهم، تتهرب من النظر إلى من حولها، عدا عندما ألتقت عينيها بعينيه عندما رأت عاصم يقترب من الطاولة التي يجلس عليها، كانت نظراته مختلفة، تربت عليها وتنظر إليها بتساؤل، أصابتها الريبة قليلًا ولكن توقعت أن يكون متعجبًا من ظهورها المفاجئ، فحاولت أن تلمم أنفاسها المضطربة، وتقدمت بقوة زائفة ووضعت يدها بين يديه تصافحه، وصوت عاصم الذي يشعر بالفخر بها وهو يقول: بنتي دعاء، مهندسة معمارية.
ظل مالك يحتضن كفها بهدوء وقال: أهلًا يا بشمهندسة، مالك العشري.

ارتجفت يدها بين يديه، تهربت من النظر إليه ولا تعرف لما هذا الإرتباك الذي أصابها، ولكن توقعت أن هذا أمر طبيعي بما إنها لم تخرج من منزلها منذ أعوام.

جلسو معًا، وبدأ عاصم يطرح أسئلة على مالك الذي يتحدث بثبات وثقة قائلًا: أنا متفهم قلق حضرتك يا بشمهندس لكن تقدر حضرتك تشوف المشاريع اللي اتنفذت في الشركة عندي، إحنا سلمنا مشاريع كبيرة في وقت قياسي، عندي في الشركة أكتر من فريق وكلهم على مستوى عالي من الجودة، بالنسبة لمواعيد التسليم إحنا دايمًا بنسلم قبل الديد لاين، وبالنسبة للجودة فهي هتبقى زي التصميم اللي تم إرفاقها بالملف، ولو حضرتك حابب تعمل أي تعديل إحنا تحت أمرك.
دعاء: الشركة عندنا بتهتم بالجودة أكتر من المظهر الخارجي، التصاميم جميلة لكن الخامات المستخدمة ديه اللي بنهتم بيها أكتر.

نظر إليها بعيون مراقبة، سمع صوتها أخيراً الذي بث السعادة داخل أوصاله فقال بثبات: تقدري حضرتك تنزلي الموقع وتشوفي الخامات المستخدمة بنفسك، ولو فيه أي ملاحظات نعدلها فورًا، ومعتقدش إن هيبقى فيه ملاحظات.
عاصم: أنا سمعت عن ثقتك بنفسك بس متوقعتش إن ثقتك عالية بالشكل ده.
مالك: الثقة ديه بسبب ثقتي بالناس اللي شغالة معايا، أنا أختارت كل واحد فيهم بنفسي، ده غير إن فيه منهم كانو زمايلي في الجامعة وواثق في قدراتهم.

نظر عاصم إلى دعاء التي أومأت له بجفينها معلنة موافقتها على قبول المشروع، فقال عاصم: طيب هي نتيجة المناقصة بكرة، ودعاء هي المسئولة عن المشروع، وهي اللي هتشرف على التنفيذ.

نظرت له دعاء پصدمة وڠضب، هو يجبرها على العمل، وهذا ما جعلها تشعر بالڠضب، فهي تتمالك أرتجافها الداخلي بأعجوبة عدا رغبتها في العودة إلى غرفتها منذ أن خطت أول خطوة خارج المنزل، ولكن تحاملت عل ىنفسها لأجله، لذا تنهدت بضيق مما جعل مالك يتعجب من نظراتها، فظن أنها لا توافق على العرض فقال: واضح إن البشمهندسة مش موافقة، فا مفيش مشكلة خالص ديه حاجة ترجعلكم.
عاصم: لأ مش ده الموضوع.

أمسكت دعاء حقيبتها وهمت بالوقوف وقالت: أظن كده خلصنا مناقشة، أستأذن أنا.
تركت المكان تحت نظرات الڠضب المتطايرة من عين عاصم ونظرات التعجب من مالك، رحلت وهي تترك لأنفاسها المضطربة العنان ليلحق بها عاصم پغضب بعد أن أعتذر لمالك عن تصرفها وخطى بخطوات سريعة نحوها، تاركة مالك يشتعل غضبًا بداخله، فاعتبر رفضها للعمل معه إهانة شخصية له، فنهض عن الطاولة بعد أن دفع الحساب وخرج من المطعم، وأثناء سيره نحو سيارته لمح عاصم ودعاء يتشاجران بجانب السيارة، فصعد بسيارته غير مباليًا بهما، ومر بجوارهما لتتعلق نظرات دعاء به وهو داخل سيارته، ولاحظت عدم إكتراثه بما يحدث بينهما أمامه وثباته الذي لم يتزعزع أمام ما فعلته، مما جعلها تتعجب من هذا الأمر فثقته بنفسه لا تنافس.

لا تعلم ما يشعر به من ڠضب دفين بداخله، حتى أنه قرر الرجوع عن تنفيذ هذا المشروع فاتصل بيامن على الفور وقال: إلغي مشروع الحلواني، وشوف شركة تانية.

أنهى المكالمة قبل أن يسمع رد يامن المتوقع فمن المؤكد أنه سيرفض هذا ولكنه لم يبالي، وعاد إلى منزله وهو يرى ملامحها التي حُفرت داخل ذاكرته بدقة.

كان لقاءًا على غير المعتاد، فهل تسنح الفرصة للقاء آخر؟
يتبع... 
رباب حسين
 

تم نسخ الرابط