رواية وانصهر الجليد الفصل الأول بقلم الكاتبه شروق مصطفى حصريه وجديده
وبحزم لم يتوقعه
لا طبعا لا.
نظر إليها بدهشة من رفضها المفاجئ. كانت تبدو مستعدة لكل شيء منذ لحظات فما الذي تغير لم تتركه لدوامة ظنونه وأضافت بحزن وهي تغالب دموعها
مش هفرح ولا هلبس الفستان الأبيض إلا لما سيلا تكون معايا... لازم أطمن عليها الأول.
تفهم معتز موقفها دون اعتراض وهز رأسه مطمئنا
حاضر أوعدك هعمل المستحيل عشان ألاقيها.
نظرت إليه بأمل ضعيف وقالت
طب عاصم... مش ممكن يعرف حاجة يمكن يكون عنده وسيلة يساعدنا.
....
مر أسبوعان دون جديد والحال كما هو البحث مستمر عن وسيلة لكنها ما زالت مختفية دون أثر وعاصم مختف بدوره وهاتفه مغلق. كلما مر الوقت ازدادت المخاۏف وكأن الغياب يثقل القلوب أكثر فأكثر.
على الجانب الآخر كانت حياة همسة ووليد تتشكل بوتيرة هادئة حيث ساد التفاهم بينهما. تأقلمت همسة تدريجيا مع منزلها الجديد وبدأت تشعر ببعض الراحة في وجود وليد الذي لم يتركها تواجه حزنها وحدها. ورغم كل هذا بقي بداخلها شعور غامض بالفراغ بانقباض قلب يؤلمها دون أن تجد له تفسيرا.
وليد كان يحاول جاهدا إبعادها عن هذا الحزن يخرجها من شرودها ويشاركها تفاصيل الحياة اليومية ليقرب بينهما. لم يكن يكتفي بالكلمات بل عمد إلى مشاركتها حتى في أبسط الأمور مثل أعمال المنزل.
ذات يوم وبعد انتهائهما من الغداء حاولت منعه من حمل الصحون قائلة بابتسامة خفيفة
سيب يا وليد أنا هشيل الأطباق. مش كل يوم بقى!
لكنه ترك ما كان يحمله أمسك يدها برفق وقال وهو يغرق في عينيها
يا ست البنات ارتاحي انتي. أنا بحب أساعد فيها حاجة دي
احمر وجهها من الخجل وابتسمت بحنو
انت جميل أوي يا وليد بجد... وحنين أوي. ربنا يباركلي فيك.
رد عليها بابتسامة تحمل كل الحب
وإنتي أجمل بنت شافتها عنيه.
وبينما كان يحمل معها الأطباق للمطبخ أوقفته فجأة لتقول
وليد ممكن أسألك سؤال
نظر إليها متسائلا
طبعا قولي.
تنهدت قليلا قبل أن تتابع
يا ترى... هتفضل تساعدني كده على طول ولا ده في الأول بس أنا عارفة إن الرجالة عامة مش بيحبوا يساعدوا زوجاتهم بيقولوا إن الزوجة المفروض تعمل كل حاجة... بس أنا شايفاك غير كده فمش عارفة إذا كان ده طبيعي بين الأزواج ولا انت حالة استثنائية
قهقه وليد ضاحكا ثم قال بعد أن هدأ
يعني أساعد مش عاجب ما أساعدش مش عاجب! إنتوا مش بيعجبكم حاجة أبدا!
همسة بادرت بسرعة لتبرر كلامها
لا لا ساعد طبعا! أنا مش قصدي كده... بس عارفة إن معظم الأزواج بيشوفوا نفسهم سي السيد والزوجة لازم تعمل كل حاجة!
جذبها برفق من يدها وأجلسها أمامه ثم قال بابتسامة هادئة
بصي... الزواج قائم على المودة والرحمة. يعني لو شوفتك تعبانة في يوم لازم أشيلك وأساعدك. ولو لقيتيني بمر بظروف صعبة سواء صحية أو مادية لازم توقفي جنبي وتصبري عليا. المودة معناها إن يبقى بيننا ألفة وحب ونشيل بعض في الحلوة والمرة ولا أية
هزت رأسها بالموافقة وقالت بابتسامة خفيفة
آه طبعا معاك. يارب أكون قد المشاركة دي وتنجح حياتنا.
أجابها وليد بثقة ودفء
طالما بينا احترام وحب ونتقي ربنا في بعض حياتنا هتنجح بإذن الله.
شعرت همسة بفيض من الامتنان وقالت بتأثر
مش عارفة أقولك إيه... ربنا بيحبني إنه رزقني بيك.
تطلع إليها وليد بحب وقال
وأنا ربنا بيحبني إنه رزقني بيكي. وأول ما نطمن على أختك هنسافر نزور بيت الله زي ما وعدتك.
هتفت بحماس
ياريت بجد!
لكن نبرة صوتها تبدلت إلى حزن وهي تتابع
بس... بقالنا أسبوعين ومفيش أي جديد. أنا قلقانة عليها أوي. حتى لما رحنا وسألنا عن عمي ما كانش موجود.
ربت وليد على يدها مطمئنا
أنا متفائل خير. قريب هنلاقيها إن شاء الله.
ثم حاول تغيير الموضوع ليخفف عنها
طيب... مش ناوية بقى
نظرت إليه بعدم استيعاب
ناوية على إيه مش واخدة بالي.
غمز لها بمرح وقال
بما إن ربنا رزقنا ببعض وبنحب بعض... تعالي هقولك سر!
أمسك يدها برفق وسحبها معه إلى الغرفة ثم أغلق الباب خلفهما.
قالت بتوتر
إيه يا وليد في إيه
ترك يدها برفق ثم أمسك وجنتيها بأنامله وهمس بحنان
إنتي لسه پتخافي مني
هزت رأسها نافية
لا بالعكس... إنت حنين أوي.
ابتسم ثم على وجنتيها برفق وقال
طيب يا روحي. يلا بينا نصلي ركعتين نبدأ بيهم حياتنا عشان ربنا يباركلنا فيها. تعالي نتوضأ.
بعد الصلاة وضع يده على مقدمة رأسها وقرأ دعاء الزواج بخشوع
اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه وأعوذ بك من شرها وشړ ما جبلتها عليه.
ثم نظر إليها بابتسامة تطمئن قلبها وقال
دلوقتي نبدأ حياتنا بطاعة الله ونكون لبعض زوج وزوجة قولا وفعلا.
ضاقت بها الحياة حتى شعرت أن قلبها يختنق تحت وطأة الوحدة.
اشتاقت لملاذها الآمن لأيام كانت تحتضن فيها السکينة بعيدا عن الألم. تذكرت حديثه المليء بالحب والصدق وشعرت بلهفته وحنانه الذي خفف عنها الكثير لكنها كانت تخشى عليه من ثقل مرضها. لا تريد أن تلقي عليه مسؤولية آلامها ولا أن يتعلق بها وهي تشعر أن النهاية تقترب.
فاقت من شرودها وهي تمسح دمعة عالقة على خدها. وقفت أمام البحر موجه يلامس قدميها ويبلل رمال الشاطئ. نثرت المياه بقدميها بعشوائية ثم تنهدت بعمق وابتسمت ابتسامة حزينة وهمست وكأنها تخاطب من تحب
وحشتوني أوي... أسبوعين وأنا مش عارفة أنام وأنا بعيدة عنكم. يا رب تصبرني على بعدكم.
التفتت عائدة إلى الشاليه فتحت الباب ودخلت ولكن فجأة اجتاحها شعور غريب. شمت رائحة عطر مألوفة رائحة تعرفها جيدا. عطر يحمل ذكريات حبها. توقفت في مكانها تتلفت حولها تبحث عن مصدره لكنها لم تجد أحدا. شعرت بقشعريرة اجتاحت جسدها وتمتمت بدهشة
غريب... ريحة إيه دي!
حاولت تجاهل شعورها نفضت الأفكار والهواجس عن عقلها وأرتمت على الفراش بإرهاق.
آلامها باتت أشد من أن تتحملها. الأدوية والمسكنات لم تعد تؤثر ومعدتها المنهكة ترفض الطعام. شحب وجهها وازدادت الهالات الداكنة تحت عينيها وكأن المړض يلتهمها يوما بعد يوم.
تناولت بعض الحبوب المهدئة كي تهرب من واقعها إلى النوم. حضنت نفسها كالجنين تبكي بصوت مكتوم من شدة الۏجع حتى غلبها الإرهاق وأغمضت عينيها.
لكن بعد ساعات قليلة شعرت بشيء غير متوقع.
قبلة دافئة على وجنتها أيقظتها. صوت همس بجوار أذنها وكف حانية تغطيها بالبطانية. فتحت عينيها ببطء ما زالت متعبة لكنها رأت وجهه أمامها! يربت على شعرها بحنان ويهمس
أنا معاكي وهفضل جنبك... حياتي ملهاش طعم من غيرك.
رفعت نفسها بصعوبة عن الفراش وهي تحاول استيعاب ما يحدث. مسحت عينيها بأناملها لتزيل بقايا النعاس. لكنها صدمت!
لا أحد في الغرفة... كانت وحدها.
تنهدت بمرارة وهي تهمس بخفوت
معقول... كان حلم
وضعت يدها على وجنتها وكأنها تتحسس أثر . رغم الألم ابتسمت. حلمه ترك أثرا ناعما على قلبها المنهك. نظرت إلى الساعة بجانب السرير فوجدتها لم تتجاوز التاسعة مساء.
نهضت من فراشها بتكاسل وتوجهت إلى الدولاب. قررت تبديل ملابسها والخروج قليلا لاستنشاق الهواء المنعش. شعرت أن الجدران ټخنقها.
لكن بينما كانت تتحرك ببطء... حدث ما لم يكن في الحسبان.
يتبع