رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل العاشر
تعالى كده...
اقترب جاسر من المسبح فتمسك الثلاث شباب بقدمه وأوقعوه بالمياه ضاحكين بأصوات عالية، القى جاسر بغيظ المياه عليهم وقال الماية ساقعة يا أغبية!
سبح يوسف بظهره على المياه وهو يجدف بقدميه في ابتسامة السباحة في الساقعة خير، زي الحلم كده يا جسورتي...
ضحك جاسر رغما عنه وبدأ الرباعي يقذفون المياه على بعضهم البعض في مرح...
نظر الجد رشدي من غرفته لهم في ابتسامة محبة، فقد أكتفى بحضور عقد القران والمباركة ثم صعد لغرفته سريعا، طالما أن يشعر بعد سعادة ابنه، لم يستطع المكوث طويلًا ويشاهده بهذا الحزن الذي يخفيه...
ذهب المدعوون وأنتهى الحفل...
انهمر المطر قبيل الساعة الأخيرة من ثلث الليل الأخير، ورغم ذلك خرج وجيه لشرفته وهو يرتدي روب نومه الثقيل، انقضت الساعات الأخيرة الماضية رغما عن ارادته بالرفض لكل شيء، ولكن كان قد تعهد بأن يقيم حياته من جديد، مع امرأة على الأقل يعرف أنها تحبه...
وأرضى رغباته كرجل مع رفض قلبه لما يحدث كليًا...
نظر أمامه بشرود، وبثبات، للاشيء، ويفكر للبعيد، للمشفى وما يسكنها، تفاجئ بيد ناعمة تحاوط كتفيه وطل وجه جيهان بابتسامة رقيقة بها بعض المكر وبرداء الثقيل ورغم ذلك فاتن ومثير، همست برقة له خارج الراندا في البرد ده ليه؟
أخذ نظرة سريعة لها ثم نظر أمامه مرةً أخرى وقال متعود أصحى في الوقت ده، ارجعي نامي تاني يا چيهان...
هزت چيهان رأسها بأعتراض ونظرة رافقها ابتسامة مرحة لأ، هقعد معاك، في أي زقت، وفي أي مكان، معنديش أعتراض خالص على أي شيء متعود عليه...
ابتسم بشيء من السخرية وقال مكنتيش كده زمان!
اجابت بنظرة قوية وكأنها تؤكد ما ستقوله وتفتكر عشر سنين مش كفاية أني اعقل وأفكر بشكل أنضج؟
وكأنها تعاتبه بهذا الأجابة أو توجه اجابتها بسؤال له، فقال شاردًا بلمحة مؤلمة بعينيه أحياناً مش بيكونوا كفاية، بس الذكي اللي يقدر يلحق نفسه قبل ما يضيع السنين دي كلها من عمره...
لم تفهم ما يقصده فتساءلت بقلق تقصد إيه؟
نظر لها بمكر يعرف أنه سيرضيها فقابلت نظرته بابتسامة خجولة...
أنتشر الخبر بالمشفى بهذا المساء، كان الجميع يتهامسون ومن ضمن الهمسات علمت بأمر الزواج، ومن بعض الهمسات كان البعض يؤكد أن هذا أمر متوقع منذ سنوات، بل تم تأليف مواقف غرامية كاذبة للثنائي وجيه وجيهان حتى يستعرضوا فقط حصرية الأخبار لديهم ويتميزون عن غيرهم...
وكل هذا ولا أحد يعلم، أو يدري، بالذي ينشق قلبها كل لحظة...
والذي ظرفت المدوع حتى ما باتت عينيها تحمل المزيد، أتت ساعة راحتها من العمل، وذهبت للغرفة التي ترقد فيها صغيرتها...
وجدت الصغيرة جالسة على الفراش وتبدو سعيدة لشيء، اقتربت ليلى منها وقالت وهي تجاهد ليبدو صوتها طبيعي وتنقيه من الدموع بحب أشوفك بتضحكي...
اتسعت ابتسامة الصغيرة ووضعت رأسها على صدر أمها وهي تقول بفرحة حلمت بالشاطر وجيه، بيحضنا احنا الاتنين كده...
لفت ريميه ذراعيه الصغيرة حول كتف امها فلم تستطع ان تحتويها، ولكنها استطاعت أن تعبر عما رأته بحلمها، أغمضت ليلى عينيها في دمعة سقطت رغما وقالت لتثنيها عن الحديث والمتابعة بهذا الأمر هروح اجيبلك أكل، تاكلي قبل ما تنامي...
ابتعدت خطوتين فقالت الصغيرة وهي تنظر أمامها في مشهد وحيد لا ترى غيره، وهو لوحة مظلمة تلونها بأحساسها ومشاعرها، بالأفراح والأحزان، مشهد حسب الشعور!
قالت برقة وببراءة ماما، أنتِ قولتيلي لما نحلم بحاجة وعايزينها تتحقق، نسجد ونقول يارب...
قالت ليلى وهي تمسح عينيها آه...
سجدت الصغيرة على الفراش وقالت ببراءة يارب، يارب، الشاطر وجيه يفضل معانا على طول يارب، يارب.
ارتعشت ليلى من دعوة ابنتها، واقتربت لها حتى اعتدلت الصغيرة من جديد، ضمتها ليلى وهي تبك بقوة ولم تستطع تفسير بكائها بأي كلمة!، سوى أنها تردد على دعوة صغيرتها التي لم تجرأ على التفوه بها، ولكن الله استمع لأنين قلبها، ودموعها، وما كانت تخشى قوله والقلب صړخ به...
وفي الصباح، ودع وجيه وزوجته جيهان والجد رشدي الشباب الأربعة وهم يحملون حقائبهم للسيارة التابعة للقافلة...
قالت جيهان وهي ترى الشباب يبتعدون أمامها أظن أنت النهاردة عندك أجازة لحد العشا؟
قال وجيه ووجهه لا يعبر عن أي شيء لأ، في شغل كتير مستنيني مش هقدر أأجله، دلوقتي من بليل مش هتفرق كتير...
قالت دون أعتراض خلاص هاجي معاك، باي يا بابا
أشارت لوالد وجيه الذي هز رأسه بابتسامة بسيطة، ثم اختفت ابتسامته وهو يراقب ابنه وجيهالذي يبتعد الى سيارته وكأنه يريد الهرب من الجميع،!
وبالمشفى...
كان استقبال الجميع لوجيه بعد معرفتهم بالزفاف حافلًا، فقرروا أن يحتفلوا بالفعل وااوا بحلوى كبيرة وارغموا وجيه أن يقطعها لقطع ويده بيد زوجته چيهان...
تم ذلك بالفعل حتى أتت منى قائلة له بمباركة ونظرة عميقة الف مبروك يا دكتور، على فكرة رميه سألت عنك كتير أوي، صعبت عليا من كتر سؤالها عنك، ومن وقت ما أكلتها آخر مرة وهي مش عايزة تاكل غير من ايدك،!
شعر وجيه بغصة في قلبه، يقسم أن هذا الصغيرة أخذت حيز في قلبه ولم يشعر كيف حدث ذلك!
أخذ طبق فارغ ونظم فيه عدة قطع من الحلوى وهو يسأل الممرضة منى هي فين؟ في أوضتها؟
نفت منى الأمر وقالت لأ، من كتر عياطها امها خدتها للجنينة عشان تسكت...
هز وجيه رأسه بتفهم وتحرك مبتعدًا عن جيهان التي انشغلت بالمباركات والتهنئة، أو يظنها انشغلت!
تنهدت ليلى بضيق وهي ترى ابنتها ترفض الطعام وقالت يا حبيبتي، تعالي بقى عشان ااكلك أنتِ مكلتيش من امبارح غير مرة واحدة بس!
هزت الطفلة رأسها وقالت بتصميم لأ، لما يجي الشاطر وجيه هيأكلني...
صاحت فيها ليلى بعصبية ما تتكلميش كده تاني ومالكيش دعوة بيه وما تسأليش عليه تاني!
امتلأت عين الطفلة بالدموع وقالت وهي على شفير البكاء حلمت بيه تاني وكنت بقوله يابابا، يارب يارب يبقى بابا عشان ما يسبنيش تاني وأنتِ تزعقيلي كده...
تأسفت ليلى وهي تضم أبنتها وبكت رغما عنها وهي تعتذر وتقبل رأسها، حتى انتبهت لصوته ولم تشعر بخطواته وهو يقترب لها مع عصبيتها بالدقائق الماضية، قال وجيه بنظرة بها دفء غريب وحشتيني أوي...
رفعت ليلى رأسها له بدهشة، كانت سمعت أنه سيأتي ليلًا وليس الآن!
ابعدت عينيها عن نظرته الثابته عليها ولم تستطع وقف دموعها، ابتسمت ريميه وكأنها نالت دمى كبيرة ورددت بهمس بابا وجيه.
اعتقدت ليلى أنه سيغضب أو على الأقل لم يرحب بالأمر ولكنها رأت نظرته الحنونة على صغيرتها وقال أحلى من الشاطر وجيه، قوليها دايمًا...
تنهد بعمق وقال قالولي أنك مش عايزة تاكلي، هتاكلي من ايدي ولا أمشي؟
هزت الصغيرة رأسها بابتسامة واسعة فقطع وجيه قطعة صغيرة من الحلوى بمعلقة صغيرة وقربها لفمها الطفلة فأبتلعتها في شهية، وتلاها قطعة أخرى...
والقطعة الثالثة لم يوجهها لفم الصغيرة، بل وجهها الى ليلى، وتجمدت من لافتته مع نظرته الغامضة، هز رأسه كي تبتلعها فنظرت له في تعجب وحيرة...
يتبع