الفصل العشرون. بقايا عطرُ عتيق بقلم الكاتبه مريم نصار حصريه وجديده
الفصل العشرون. بقايا عطر عتيق بقلم الكاتبه مريم نصار حصريه وجديده
في تلك الليلة عم الصمت أنحاء البيت وكأن شيئا جللا يترقب الحدوث. فجأة اخترق الصمت صوت خاڤت أشبه بالهمس صوت سميرة لم تصدق عينيها وهي تقترب بخطوات مرتعشة. وقفت أمامه أمام الغائب الذي طال انتظاره وبدأت تتحسس وجهه وكأنها تحاول أن تثبت لنفسها أنه ليس حلما. كانت أصابعها ترتعش وهي تلمس ملامحه ثم ارتفعت ببطء لتلامس صدره بينما همست باسمه مرارا وكأنها تخشى أن يختفي في اللحظة التالية.
وفجأة اڼهارت أمامه احتضنته بكل قوتها ودفنت وجهها في صدره وهي تبكي بحړقة وتصرخ باسمه بصوت عال. اجتذبت صرخاتها من في الغرف المجاورة. هرع الرجال أولا تلتهم النساء بخطواتهن المترددة بينما القلق والحيرة يعتريان الجميع. كان المشهد مشحونا بالمشاعر عيون تتبادل النظرات وأخرى تفيض بالدهشة والذهول.
كان صبري أشدهم توترا شعر بنبض قلبه يتسارع وكأنه يحاول الهروب من صدره. وقف بين الحاضرين وهو يهز رأسه بعدم تصديق يشعر أن الأرض تهتز من تحته. حاول أن يبتلع ريقه لكنه وجد حلقه قد جف تماما وابتسامة مصطنعة تتسلل إلى وجهه وهو يراقب الموقف بعينين مليئتين بالقلق.
أما الأخوان حجازي وحامد فاندفعا نحو عبد الحميد واحتضناه بحب غامر تعلو وجهيهما ابتسامة عريضة تعكس فرحتهما التي لا توصف. لكن داخل تلك الغرفة كانت زاهية قد سمعت الاسم ذاته الذي يحمل ذكريات موجعة. توسعت عيناها وعاد شريط الماضي أمامها فجأة وقلبها بدأ يدق بسرعة غير معهودة. حاولت أن تتجاهل الأمر لكنها لم تستطع منع نفسها من الاستغراق في ذكرياتها.
في تلك اللحظة عبد اللطيف راقدا على سريره يحاول استيعاب ما يحدث. بالكاد تمكن من رفع رأسه ليرى لكن أخاه الحج عبد الرحيم تدخل على الفور واضعا يده على كتفه بلطف وقال
أهدى أنت ياحج انت عيان اني هطلع أشوف في إيه برة واردلك خبر.
وقف عبد الحميد وجها لوجه أمام حسين نظرة طويلة مليئة بالعتاب والشوق تملأ عينيه. قال بصوت مفعم بالندم والاشتياق
إزيك يا حسين إزيك يا واد عمي
تنهد حسين بعمق واغرورقت عيناه قبل أن يفتح ذراعيه ليحتضن عبد الحميد قائلا
ياه يا عبد الحميد. ياه على الدنيا! كنت فين يا واد عمي كل السنين اللي فاتت دي لسه فاكرني ياعبد الحميد
اجابة بنبرة تحمل الألم
ولا يوم نسيتك يا أعز رفيق ليا كل يوم وكل دقيقه بتعدي عليا بملاها بذكرياتنا الحلوه زمان.
ربت حسين على كتفه بقوه وفرحه
نورت دارك ياعبد الحميد.
ثم انتقل عبد الحميد نحو صبري ابتسم له ابتسامة تحمل شوقا صادقا وقال
كيفك إزيك يا صبري اتوحشتني قوي ياخويا.
ارتبك صبري بلع ريقه بصعوبة وحاول أن يبدو طبيعيا وهو يرد بابتسامة متكلفة
عبد الحميد أخويا فينك يا راجل. انت اللي اتوحشتني قوي ياخويا. أنا مش مصدق نفسي! أخيرا رجعت بعد كل السنين دي حبيبي ياخويا.
احتضن عبد الحميد أخاه لكنه لاحظ ارتباك صبري وشعر بشيء مريب. رغم ذلك كانت اللحظة مشحونة للغاية فلم يرغب في إثارة أي جدال.
ثم دخل عبد الحميد إلى الغرفة وما إن رأى والده راقدا على السرير ارتبك قلبه حتى جثا على ركبتيه عند قدميه. احتضن يديه وقبلهما ثم اڼفجر بالبكاء قائلا
ابويا! مالك ياحج عبد اللطيف الف سلامة عليك يابا.
رفع عبد اللطيف عينيه بصعوبة نحو ابنه وهو بالكاد يصدق ما يراه. بصوت مرتجف قال
عبد الحميد ابني انت رجعت ولا اني بحلم يعني إنت كده حقيقي واقف قدامي وعينيا شيفاك
أجهشا سميرة وعبد الحميد بالبكاء وقبل يد والده مرة أخرى وهو يرد بصوت مخټنق
رجعتلك يابا اني قدامك وتحت رجليك بس يرضى عليك سامحني. وقوم لينا بالسلامة.
وسط هذا زاهية كانت تقف هناك تنظر إلى ابنها بنظرات تحمل خليطا من الحزن والڠضب وكأن الماضي يقف حاجزا بينهما كانت الجلسة ثقيلة كأنها تحمل فوقها صمت السنوات التي مضت وكأن كل نفس يسحب من صدورهم محملا بالأسئلة والألم. عبد الرحيم الجد الحكيم حاول بلمسته المألوفة أن يعيد بعض الاتزان للمكان فقال بهدوء
خلاص يا حج عبد اللطيف انت تعبان وما لوش لزوم العتاب ولا السؤال. المهم دلوقت ابنك رجعلك وبقى في حضنك هنعوز إيه تاني يعني
عبد الحميد الذي كان يحمل على كتفيه حمل الماضي الثقيل تقدم نحو عمه الأكبر بحرج وانحنى ليقبل يده ثم احتضنه وهو يقول بصوت مخټنق
حقك عليا يا عمي انا عارف إني ك سرت بخاطركم كلكم. بس والله ڠصب عني سامحوني.
عبد الرحيم رغم حزنه العميق الذي بدا واضحا في عينيه وضع يده على كتف عبد الحميد بحنان وقال بحزم
قفل على السيرة دي يا عبد الحميد يا ولدي. أبوك عيان مش وقته. و روح حب على يد أمك وراضيها خليها ترضى عليك علشان ربنا يرضى عنك.
وقف عبد الحميد للحظات وكأنه يجمع شتات شجاعته ثم اتجه بخطوات ثقيلة نحو زاهية التي كانت تقف متصلبة كأنها تحمي قلبها من ألم اللحظة. وقف أمامها وقال بصوت مليء بالحنين والندم
يمه كيفك لو تعرفي أتوحشيني قد إيه! تقولي عبد الحميد كداب. بس والله الدنيا ما كانتش دنيا من غيرك.
لكن زاهية التي كانت سنوات الفقد قد جمدت مشاعرها أدارت وجهها بعيدا عنه. لم يستسلم أمسك بيديها بحنان وقبلهما والدموع تسيل على وجنتيه
عارف إنك زعلانه مني ويمكن مقهورة كمان بس عشمي في قلبك الطيب كبير. وحياة حبيبك النبي تسامحيني. أنا ما ليش غيرك في الدنيا دي ورضاكي عليا أهم شيء! أنا ابنك عبد الحميد يمه.
سحبت زاهية يديها پعنف وقالت بصوت مفعم بالأسى
عبد الحميد ابنيما ت! ما ت من زمان من يوم ما فرقنا وراح ولا جاش! ولا سأل علينا في يوم ولا عرفنا كيفك عايش ولا كنت م يت!
كان الجو على وشك الانفجار وسينطق عبد الحميد لكن صبري الذي شعر بهول اللحظة تدخل سريعا وقال محاولا تهدئة الأمور
مش وقته الكلام ده يا جماعة. في الآخر عبد الحميد رجع يمه وحب على يدك. واستسمحك. واديكي وبشوفة عينك أبويا الحاج تعبان ورجوع أخويا في وقت زي ده يمكن يخليه يفوق. عديها وصلي على النبي وهدي بالك.
تنهدت زاهية وقالت بصوت متحشرج
عليه الصلاة والسلام.
ثم نظرت إلى عبد الحميد وقالت بلهجة مليئة بالخذلان
على قولك يا صبري أبوك عيان وإني اللي يهمني دلوقت صحته. جوزي الحج عبد اللطيف كبر ومرض وما لقاش كبيره يسنده.
رغم الكلمات الثقيلة استجمع عبد الحميد ما بقي له من شجاعة بينما تدخلت الجدة نعيمة لتخفيف التوتر وقالت بحنان
بكفايكم لوم وعتاب بقى ونحمد الله أنه حي يرزقحمد لله على سلامتك ياعبد الحميد يا ولدي. الحمد لله إنك رجعت بخير. نورت الكفر كله ونورت البلد كلها. نحمد الله إنك جيت وشفت أبوك. واني حاسة إن تعبه هيروق بعد ما شافك. اقعد يا ولدي جار أبوك واتحدت شوية وياه. وكله هيتصلح بس قول يا رب.
انحنى عبد الحميد أمامها وقبل يديها بحب واحترام