الفصل العشرون. بقايا عطرُ عتيق بقلم الكاتبه مريم نصار حصريه وجديده
المحتويات
وقال
الله يسلمك يا مرات عمي. وحشني كلامك الحلو والمترتب. وحشتني الدار دي وكل ركن فيها وكل حد فيكم. ادعيلي يامرات عمي ربنا يقدرني وأقدر أرجع المية لمجاريها من تاني.
رغم الجو المشحون كان هناك بصيص أمل بدأ يتسلل إلى القلوب. أما زاهية فكانت نظراتها لا تزال تحمل مزيجا من الألم والحب المكبوت. وصبري كان يراقب بحذر محاولا إخفاء قلقه من انكشاف بعض الأمور. في حين كانت سميرة تحتضن ابنها صالح بعد أن سرد لها ما حدث وقد ملأها الفرح بعودة الأجواء العائلية التي كانت غائبة لسنوات.
كانت الشمس قد بدأت تتسلل بخيوطها الذهبية بين أشجار النخيل معلنة عن صباح ريفي جديد. أمينة كانت تمشي بخطوات ثابتة تحمل على رأسها دلوا من الماء يلمع تحت ضوء الصباح. بمجرد أن وصلت إلى فناء الدار وقع نظرها على عبد الرحيم ابن عمها الذي كان يقف بجانب القناية يشحذ فأسه. نادت عليه بصوت مفعم بالتلقائية
عبد الرحيم تعالى حططني المية.
نظر إليها عبد الرحيم بنظرة عابرة قبل أن يعود إلى ما كان يفعله ورد بنبرة جافة غير معهودة
انا مش فاضي. شوفي حد غيري يحططك.
توقفت أمينة في مكانها وقد ارتسمت على وجهها ملامح تعجب واضح. قالت مترددة
يوه مالك بتزعق ليه وبعدين هي دي أول مرة تحططني دا إنت كنت أول ما تشوفني شايلة حاجة تقوم على حيلك وتحططني وتشيل بدالي كمان.
رفع عبد الرحيم عينيه نحوها وبدت عليه علامات الانزعاج وقال متأففا
وياريته كان طمر! بقولك إيه ابعدي عن دماغي انا مش فاضي للدلع بتاعك ده.
ثم تراجع قليلا وكأن شيئا خطړ بباله وأضاف بحدة
ولا أقولك خلي صالح يحططك. سلام!
تركها وذهب بخطوات سريعة تاركا أمينة واقفة مكانها فاغرة فاهها تحاول استيعاب هذا التغير المفاجئ.
من بعيد كانت وفاء قد شاهدت المشهد كاملا. اقتربت منها تحمل نظرة مزيج من التعاطف والفضول وساعدتها على رفع الدلو عن رأسها. سألت أمينة بصوت حائر
اني مش عارفة عبد الرحيم ابن عمي قلب وشه ليه ع الصبح كده
ابتسمت وفاء برفق وقالت محاولة تخفيف وقع الموقف
ما تاخديش في بالك يا أمينة. تلاقيه مضايق عشان خد الإجازة وهيرجع لشغل الأرض. روحي أملي الزير مية عشان ترطب على قلوبنا في الحر ده. وأنا هروح أكمل الفطور.
تنهدت أمينة وكأنها اقتنعت بهذا التفسير لكنها قبل أن تهم بالمغادرة التفتت إلى وفاء وسألتها بصوت يحمل لمحة من الترقب
امي قالت إن صالح جه وبات في دار جده عشيه وتلاقيه دلوقتي راح يروي الأرض مع الرجالة
ابتسمت وفاء بخفة وقالت
لا الدكتور هناك لسه في دار جده وهيفطر معاهم. بيقولوا خاله عبد الحميد لمن رجع قاله خليك معانا ياصالح وكمان مرت عمك سميره باتت هناك والفرحه مش سايعاها الحمد لله أنه طلع عايش ورجعلهم بالسلامه.
هزت أمينة رأسها وذهبت بخطوات متباطئة لكنها لم تستطع كبح أفكارها. ظلت تفكر في صالح وملامحه التي لم تفارق خيالها منذ آخر مرة رأته فيها وشيء ما في قلبها يزداد تعلقا به رغم محاولاتها الدائمة لإخفاء ذلك.
كان عبد الحميد يقف في الحوش الخلفي حيث الأجواء الريفية تملأ المكان برائحة الطين المبلل ونسمات الهواء الدافئة. بعدما توضأ لصلاة الجمعة وجفف وجهه بالمنشفة المعلقة على الحائط الطيني سمع صوت أمه تناديه من خلفه
عبد الحميد.
توقف في مكانه الټفت إليها ببطء مدركا أن هذا النداء يحمل معه مواجهات ثقيلة كان ينتظرها أو ربما يخشاها.
رجعت ليه بعد كل السنين اللي فاتت واشمعنى دلوقتي
سألته بحدة وكأنها تفتح معه أبواب الماضي الذي حاول إغلاقه لسنوات.
رد بتردد وهو يحاول أن يبدو هادئا
رجعت علشانكم يمة رجعت لأني مبقتش قادر على الهجر كل السنين دي.
اقتربت منه بخطوات ثابتة ونظراتها تخترق عينيه. ثم استرسل متسائلا
أنتي زعلانة إني جيت يما
ابتسمت زاهية ابتسامة باردة تحمل سخرية الألم وقالت
ويفرق معاك زعلي عايزني أفرح بجيتك إزاي وإنت غد رت بينا ورحت ولا جيتش سنين كتير قوي فاتت من غير ما تطل ولا تسأل. وعاوز مني أفرح كيف الحديت ده
شعر عبد الحميد بأن الچرح أعمق مما توقع لكنه حاول أن يدافع عن نفسه فقال
بس إني جيت يما. جيتلك لحد باب الدار وفي أيدي ليلى وانتي ردتيني. وقولتي إنك مش عاوزاني أهوب ناحية الكفر تاني وسمعت كلامك. علشان كده روحت وما رجعتش.
عبست وجهها وكأن الكلمات قد فجرت بداخلها بركان ڠضب
جنيت في عقلك يا عبد الحميد إيه الحديت الماسخ ده إني رديتك عن الدار إزاي وإني ما شوفتكش من آخر مرة يوم مو ت ستك كريمة!
صدم عبد الحميد من ردها وربط بين كلماتها وبين ما توقعه صالح. أدرك أن هناك سرا دفينا يجب أن يظهر للنور. حدق بها مطولا ثم قال ببطء
يما صبري اللي قالي أكده. قالي إنك مش عاوزاني أرجع هنا تاني غير لما أبعد عن ليلى. ولما اتجوزتها صبري قال إنك أمرتي بأني لازم أجيب الواد وإلا ماليش مكان بينكم.
اتسعت عينا زاهية بذهول وشعرت كأن الزمن قد توقف للحظة ثم قالت بصوت يملؤه الدهشة والڠضب
إيه الكلام ده محصلش أي حاجه من دي! لا صبري جالي ولا قالي أي كلمة. ولا نعرف إنت اتجوزت ولا حتى خلفت!
ابتلع عبد الحميد ريقه وهو يشعر بأن قلبه ينقبض من صدمة الحقيقة التي بدأت تتكشف أمامه.
وحياة الشدة اللي إحنا فيها دلوقتي يما ده اللي حصل. صبري قالي إنك مش عاوزاني وإني ماليش مكان وسطكم إلا لما أطلقها أو أجيبلك الواد.
سكن المكان للحظة لكن داخل زاهية كان يغلي من الڠضب تجاه صبري وكل من تسبب في هذه القطيعة. نظرت إلى عبد الحميد بحدة وقالت محاولة أن تسيطر على مشاعرها
اممم. وإنت عندك كام عيل دلوقتي
رد بتوجس وهو يحاول قراءة ملامحها
عندي. عندي تلاتة يما.
اتسعت عيناها قليلا ثم رسمت ابتسامة باهتة على وجهها
كلهم صبيان ولا اتنين وبت
ابتسم عبد الحميد بفخر وقال
تلات بنات يا أمي. ناديه ونوال وكريمة. وهما نور عينيا وروحي اللي عايش بيها في الدنيا دي.
نظرت إليه زاهية لكن ملامحها لم تفصح عن شيء. هزت رأسها بهدوء ثم استدارت وهمت بالخروج من الحوش تاركة عبد الحميد خلفها واقفا في مكانه وكأن الأرض شلت قدميه.
كان يعلم أن أمه لن تتقبل الأمر بهذه السهولة لكنه أدرك أيضا أن الوقت وحده قادر على ترميم الشروخ التي أحدثتها السنين الماضية.
اجتمع بعض الرجال في المندرة بعد صلاة الجمعة والغداء يجلسون في دائرة واسعة تتوسطها طاولة صغيرة وضعوا عليها أباريق الشاي وأكواب زجاجية. كان الجو مشحونا برائحة الحطب والدخان وصوت المروحة الخشبية يملأ الفراغ.
جلس عبد الحميد بينهم يتوسط الحديث وعيناه تتنقل بين وجوههم وكأنه يبحث عن ترحيب كان قد فقده منذ زمن. سأله حجازي بفضول
قولنا يابا الحج عبد الحميد عندك ولاد قد ايه دلوقتي
ابتسم عبد الحميد وأجاب بفخر
عندي تلات بنات ناديه ونوال وكريمه. زوجتي ليلى الله يرحمها جابتلي اجمل
متابعة القراءة