الفصل العشرون. بقايا عطرُ عتيق بقلم الكاتبه مريم نصار حصريه وجديده
نادية تتبادلان الضحكات الخفيفة والهمسات. كان الوقت يمضي خفيفا ومريحا ولفت الحنين بينهما خيوط من الأمل لتتحول اللحظة إلى استراحة عابرة من الهموم.
في اليوم التالي كان النهار يسير بهدوء في بيت عبد اللطيف الجميع منشغلون بأعمالهم اليومية لكن الجو العام كان مشحونا بمشاعر متضاربة.
عبد الحميد جالس بجوار والده في الغرفة الكبيرة يضع الوسادة خلف ظهره ويطمئن على غطائه. كان يتحدث إليه بصوت مليء بالمودة وكأنه يحاول أن يعوضه عن سنوات الغياب
عامل إيه دلوقت يا حاج تحب اجبلك اي حاجه
ابتسم عبد اللطيف رغم ضعفه وربت على يد ابنه
نحمد الله يا ولدي واني بخير طول ما إنت قاعد جنبي. والسنين اللي فاتت دي خلاص ما تهمش رميت كل ۏجعها بعيد المهم إنك رجعت دلوقتي وبقيت قدام عيني.
عبد الحميد ابتسم بهدوء لكنه شعر بثقل الكلمات وكأنها خنجر يذكره بما فاته.
على الجانب الآخر كانت سميرة واقفة عند باب الغرفة تنظر إلى أخيها بعينين ممتلئتين بالشوق. لم تقترب كثيرا وكأنها تخشى أن تنكسر اللحظة لكنها كانت تشبع نظرها منه تحاول أن تستعيد في عينيها صورة الأخ الكبير الذي غاب طويلا.
فاق عبد الحميد على صوت والده الذي باغته بسؤال غير متوقع
أمك قالتلي عندك تلات بنات
شعر عبد الحميد بغصة في صدره وحزن عميق لكنه فوجئ حين أكمل والده الحديث بنبرة مختلفة
تعرف يا عبد الحميد. أنت عندك تلات جسور قوية تقدر تتسند عليهم في أي وقت. اني عندي خواتك البنات أحسن مېت مرة من الصبيان. أها على يدك من ساعة ما رقدت وسميرة واخواتها مفاتونيش لحظة. هملوا ديارهم وعيالهم وقاعدين تحت رجليا. صدق الشيخ عيسى عليه رحمة الله لما كان يجينا بيقول دول المؤنسات الغاليات يا حج عبد اللطيف هتعرف قيمتهم بعدين. واديني عرفت.
توهج الأمل في قلب سميرة وعبد الحميد معا وبدت السعادة جلية في عينيهما. اقترب عبد الحميد وقبل جبين والده بحب وامتنان وهو يشعر بفرحة الانتصار الحقيقي وفخر الأب الذي يدرك أخيرا قيمة أبنائه بناته قبل أبنائه.
أما في المطبخ كانت زاهية تقلب شيئا على الڼار وجهها يعكس مزيجا من الحيرة والڠضب. الكلمات التي قالها عبد الحميد عن بناته كانت تدور في رأسها وتحاول أن تهدئ نفسها
كلهم بنات. وصالح بيقول بنات محترمين ومتربيين. لا دا كلام ما يدخلش عقلي دول تربية البندر يعني لا حيا ولا خشا وكان لازم يكون عنده ولد يشيل اسمه.
نفضت الفكرة من رأسها محاولة التخلص منها لكن سرعان ما عادت لتسيطر عليها من جديد. استحضرت في ذهنها ما فعله صبري بأخيه فتبدلت ملامحها بالضيق وتعكر صفوها. همست لنفسها بحدة
بقى كده يا صبري تحرمني من شوفة ولدي البكري كل السنين دي بس لمن كل واحد يرجع على داره ورحمة أمي لاخلي أيامك شبه شعر راسك.
تشبعت كلماتها بالڠضب الممزوج بالحسړة كأنها تعد نفسها بمعركة قادمة لاسترداد ما فقد.
في المندرة كان صبري جالسا مع حسين وبعض الرجال لكنه لم يكن يشارك في الحديث. عيناه كانت تتابع عبد الحميد كلما مر أمامه تحمل نظراته ضيقا وضغينة واضحة. كان يشعر بالضغط يزداد عليه مع كل لحظة يقضيها عبد الحميد في الدار وكأن وجوده ېهدد مكانته التي اعتادها.
حين التقت أعينهما للحظة كان العتاب في نظرات عبد الحميد واضحا وكأن عينيه تقول
ليه يا صبري ليه ياخويا يابن امي وابويا
أما صبري فرد عليه بنظرة ملؤها التحدي وكأنه يقول
مش هترجع تاخد مكاني بسهولة كده ياعبد الحميد. داني مصدقتش إنك اتنسيت تقوم تطلع قدامي كيف القط ابو سبع ترواح ده لا يمكن أبدا.
مر اليومان بصعوبة على صبري وزاهية بينما شعر الآخرون بخفة على قلوبهم وكأن عبد الحميد جاء ليعيد بعضا من الدفء الذي افتقدوه. عبد الحميد لم يفوت فرصة ليقترب من الجميع بود وكان يسعى لتضميد چروح الماضي.
لكن داخل صبري وزاهية كان الچرح ېنزف بصمت وكأنهما الوحيدان اللذان لم يستطيعا التأقلم مع عودة الابن الغائب.
في نهاية اليوم جلس صالح في غرفته الصغيرة يحتضن وسادته وعيناه مثبتتان على السقف. كان عقله يعج بالأفكار وكأنها أمواج تتلاطم بلا توقف. تذكر نظرات أمينة التي ملأتها الأمل لكنه لم ير فيها سوى وجه أخت صغيرة اعتاد أن يراها تلعب في الحوش مع بقية الأطفال.
همس لنفسه بحيرة
مش قادر أفكر. وقادر اتخيل مش هينفع. أنا مش حاسس بحاجة غير إنها زي أختي. كل ما أغمض عيني بشوف نوال قدامي هى حبي الوحيد. وانا وعدتها أعمل إيه بس لازم أحسم الموضوع مع بابا قبل ما يكلمني هو وتقع المصېبه فوق دماغي.
نهض فجأة كأنما اتخذ قرارا مصيريا. لن ينتظر حتى يتحدث والده إليه أو يقع في فخ لا يستطيع الخروج منه. قرر أن يواجهه بنفسه ويصارحه بكل شيء.
توجه إلى الغرفه الكبيره ووقف عند الباب يتردد للحظات. سمع صوت أبيه يتحدث مع جده في الداخل فانتظر حتى ينتهي الحديث. بعد دقائق قليلة خرج الجد عبد الرحيم ببطء وألقى نظرة على صالح وقال بابتسامة مشجعة
عاوز حاجة يا واد واقف هنا ليه لروحك
هز صالح رأسه بخجل
لا يا جدي عاوز سلامتك بس كنت عايز أتكلم مع أبويا شويه.
ربت الجد على كتفه قبل أن يبتعد تاركا الباب مواربا خلفه. دخل صالح بخطوات مترددة ليجد والده جالسا على الكنبة الخشبية العريضة في الغرفه يحتسي كوبا من الشاي الثقيل بعد يوم طويل في الأرض. بدا عليه التعب لكنه كان مستمتعا بهدوء اللحظة. دخل صالح بخطوات مترددة يحمل نظرات مشوشة ويديه تتلاعبان بحافة جلبابه.
رفع حسين عينيه فأشار لصالح بالجلوس بجانبه دون أن يتكلم. جلس صالح بهدوء يحاول جمع شتات أفكاره.
قال حسين بصوته العميق
مالك يا صالح شكلك مش على بعضك. باين عاوز تقول حاجة مهمه
ابتلع صالح ريقه وقال مترددا
بصراحه أنا.. أصل يعني أنا عاوز أتكلم مع حضرتك في موضوع مهم.
اعتدل حسين في جلسته ورفع كوب الشاي إلى فمه قبل أن يضعه جانبا
ربنا بيحبك اني كنت لسه هبعت وراك اني كمان كنت عاوزك في حاجه مهمه بس قول أنت الأول يا دكتور إيه اللي شاغلك
نظر صالح ليديه المتشابكتين للحظة قبل أن يرفع عينيه ليواجه أباه
بابا أنا فكرت كتير. قبل ما اجي وأقول لحضرتك انا كنت مأجل الموضوع لحد الاجازه وشايف إن الوقت جه علشان أقولك. إني اني عايز اتجوز.
ضحك حسين بخفة وقال بنبرة تحمل مزيجا من الدعابة والاهتمام
اللاه ده إيه الحظ الحلو ده واني كمان كنت عاوزك في حاجة زي دي بالظبط. داني كلمت جدك كمان.
أدرك صالح أن الحديث قد ينحرف نحو مسار لا يريده خاصة إذا تعلق الأمر بأمينة. فحاول السيطرة على الموقف مبتسما ليبدد أي شكوك وقال
ربنا يخليك لينا يا بابا ويطول في عمر جدي عبد الرحيم وأنا واثق إن حضرتك أول ما تشوفها هتقول أنت اخترت صح يا صالح. لأنها هتعجبك قوي ومش هتصدق هى مين!
تجهم وجه حسين قليلا وسأله بنبرة
جادة مليئة بالاستغراب
اخترت صح ومين بقى البت دي اللي هاشوفها واقولك عليها براوه ياصالح
تردد صالح للحظة محاولا ضبط نفسه رغم توتره الذي بدأ يظهر عليه. أخذ نفسا عميقا ورد بصوت بدا ثابتا رغم اهتزازه الطفيف
نوال يا بابا. نوال بنت خالي عبد الحميد.
يتبع