الفصل الأول: "بقايا عطرُ عتيق" بقلم مريم نصار حصريه وجديده
الفصل الأول بقايا عطر عتيق بقلم مريم نصار حصريه وجديده
في زمن بعيد مضى ورحل غائب عن الأعين ولكنه حاضر ومحفور في العقول والقلوب في هذا الزمن كانت القرية تستريح في حضڼ الطبيعة بين الحقول الخضراء الممتدة بلا نهاية حيث كان الصباح يبدأ بصوت الديكة التي توقظ الحياة من سباتها البيوت كانت بسيطة مبنية من الطوب اللبن ومسقوفة بجريد النخل تحتفظ برائحة الأرض والطين في باحات البيوت تجد الأفران الطينية تقف شامخة تشتعل فيها النيران لتحضير الخبز الطازج الذي تفوح رائحته ليملأ الهواء كانت البيوت متشابهة البنيان ولا يوجد عليها طلاء لا من الداخل ولا من الخارج وهذا ما كان متوفرا حينها ورغم ذلك كان البناء متينا وقويا مثل قوة ترابط عائلة الجد عبد الرحيم والجدة نعيمة اللذان بنوا وأسسوا عائلتهم برباط قوي ومتين يصعب عليه التفرق أو الانحراف عن الطريق الذي رسموه لهم يوما كان الترابط هو سيدهم والحب والإخلاص مبدأهم السعادة دائما تغمرهم والضحكات على أفواههم كانت رمزا لبساطتهم وبساطة الحياة حينها الحقد لا يمر على أبوابهم المهترئة يوما كانوا يعيشون في هذا الزمن حياة بسيطة هادئة وجميلة وكأنها حقبة زمنية ولدت في زمن منفرد
في قلب الريف البعيد يتألق بيت قديم مبني في هذا العهد على طريقتهم البسيطة تتسلل منه أشعة الشمس الدافئة من بين فجوات الخشب المهترئ مضيئة الأرضية التي تحتضن حنين السنوات التي مضت وعاش فيها الجد والجدة إلى أن رآوا ثمار تعبهم في ذريتهم المكونة من عشرة أفراد ستة من الرجال وأربع نسوة يتناثر الآن صوت خفقان الأبواب الخشبية مع همس الرياح التي تعزف لحنها وتوجد أيضا الحقول الخضراء أمام هذا البيت العتيق والقمح الذهبي يتمايل مع نسمات الهواء العليل وعلى مسمع من خرير الماء العذب الذي يجري على حافة الطريق يجاوره الزهور البرية ويتأرجح صوت طائر السنونو ويجول في سماء الحياة محلقا حولهم ليهبط ويقف على سجادة قديمة معلقة على حبل أمام البيت يطلق عليها في هذا الوقت الحصيرة لتروي عليها الجدة قصص أجدادها لتورث هذا الكنز الحقيقي لأحفادها كان هذا البيت مبنيا على مساحة كبيرة جدا ويحتوي على غرف كثيرة وكل غرفة خلف بابها حكايات وتوجد به عائلة كاملة مكونة من الأب والأم وصغارهم كانوا يعيشون في هذا المنزل كأنهم يد واحدة وكان الابن الأكبر للجد عبد الرحيم هو حسين ويليه سعد وعبد العزيز وسالم وإسماعيل إلى الابن الأصغر حسان وأبناؤهم الأربعة عيشة وزينب وفتحية وفاطمة الابن الأكبر حسين متزوج من ابنة عمه سميرة وسعد متزوج من ابنة عمه الأخرى وتدعى إخلاص وكان عبد العزيز متزوجا من أحد أفراد العائلة القريبة وتدعى صباح وكان سالم قد تزوج حديثا من أحد أفراد العائلة وتدعى وفاء بينما كان إسماعيل يفكر في الزواج رغم صغر سنه فهو ابن الثمانية عشر عاما وكان حسان الأصغر من بينهم يبلغ من العمر ستة عشر عاما أما بنات العائلة الثلاث فهن متزوجات باستثناء فاطمة التي لم تتزوج حتى الآن لأنها الابنة الصغرى لهذه العائلة ولم يحن وقت زواجها
في عتمة الليل الطويل كان البيت هادئا والجميع غارق في نومه بعد الأعمال الشاقة في الأرض وغيرها من الأنشطة الممتعة بالنسبة لهم ولم يكن متعبا على الإطلاق مع مرور الوقت وفي لحظات بزوغ الفجر الذي يحمل لحنه الخاص استيقظت سميرة عندما لفحتها النسمة الباردة ونزعت الغطاء الذي كانت مدثرة به ونزلت