الحادي عشر.بقايا عطرُ عتيق.بقلم مريم نصار حصريه وجديده

موقع أيام نيوز

شاركتها في الرقص أيضا زينب وبعدها وعائشه وفتحيه وابتساماتهم واسعة وعيونهم تلمع بفرح غامر. زغردت صباح بصوت عال قائلة وهى تصفق
ياحليله ياحليله البت إخلاص شع للت الفرح! يا بختك يا فاطمة كله فرحان بليلتك.
اقتربت وفاء منها وابتسامة واسعة على وجهها وهى تحمل الحنه وقالت بحنان
يا بختك يا فاطنة. بكرة تروحي بيتك وتبقي ست الدار. مبروك ياست العرايس.
ثم بدأت تدهن يديها بالحنة ترسم عليها نقوشا دقيقة بينما النساء من حولها يتبادلن النكات والضحكات.
بينما كانت النساء منشغلات بالغناء والرقص والحناء كان للرجال أيضا احتفالهم الخاص. اجتمعوا في الساحة الكبيرة بجوار الدار حيث فرشت الحصير الكبيرة وجلسوا متحلقين حول الطبلية الممتلئة بأشهى الأطعمة. كانت قدور اللحم تغلي على الڼار والرائحة الطيبة تعبق في الأجواء. جلس عبد الرحيم في مقدمة المجلس محاطا بأقربائه وأصدقائه يرحب بكل من يأتي ليهنئه بزواج ابنته وهو يقول بفخر
يامرحب يامرحب. الله يبارك فيكوا عقبال ما نجاملكم في الأفراح جميعا.
كان الطعام بسيطا لكنه كثير يحمل نكهة الريف الأصيل. أحضروا صواني الأرز المزين بقطع اللحم والأواني المليئة بالملوخية الساخنة وصحون السلطة الفلاحية مع كومة كبيرة من الخبز الفلاحي المخبوز حديثا. ولا ينسوا الطبق الرئيسي في كل وجبه وهو المخلل والجبن.
بدأ الرجال في تناول الطعام ومن بينهم حسين الذي كان يحرص على أن يأكل الضيوف حتى الشبع يقول بصوت عال
اتفضلوا يا رجاله كلوا . مش عاوز حد يقوم جعان خير ربنا كتير والوكل كتير. ودار الحج عبد الرحيم أبو قاسم هتفضل مفتوحه دايما بحسه وخيره. يا ألف مرحب.
لم يكن الطعام وحده هو ما جمعهم بل كانت الضحكات والنكات والقصص. عبد اللطيف يجلس بالقرب من عبد الرحيم يتحدث عن الأيام القديمة ويقول بصوت جاد لكنه يمزح
زمان لما كنا صغيرين ما كنش في حنة زي دي ولا فرحه كبيره زي دي كنا بس نجيب شوية عيش ناشف وزيت لما مصار ين الواحد نشفت ونسهر ونقعد نصهلل لحد الفجر.
الضحك عم المجلس وكان الجو ممتلئا بالحيوية. قام بعض الشباب بإحضار أباريق الشاي وجلسوا يغرفون منه للضيوف في أكواب زجاجية صغيرة. قدموا كذلك أباريق العصير النحاسيه والذي أطفأ حرارة الجو وكان الأطفال الصغار يركضون بين صفوف الرجال يلعبون ويضحكون.
في الركن الآخر كان حسين يجلس بجوار إسماعيل وصبري الذي يكبح غيظه داخله يتبادلون الحديث بصوت منخفض يحاولون بقدر الإمكان حسين وإسماعيل كبح فرحتهم وفخرهم بأختهم الصغيرة التي أصبحت عروسا. قال حسين وهو يبتسم بفخر
إيه يا واد ياسماعيل مش كت ليلة امبارح عمال تصيح زي الديك وواجع راسنا وتقول هقول موال لأختي! فين اومال
ابتسم إسماعيل وقام ليقف في وسط الدائرة قائلا
بس كده أسمع يابا الحاج حسين. موال اسماعيل أبو قاسم.
ثم رفع كف يده بجوار وجهه وانشد موال بصوت عال
الأرض أرض الله فيها الشجر طارح.
المانجه جنب العنب جارهم لامون طارح.
والميه واحده تسقي الحلو والمالح.
انا اللي طول عمري ودني بتسمع كلام أمي وهيا تقول روح يابني والله العظيم ما أنت فالح.
ضحك الجميع بقهقات عالية وانطلقت مع إسماعيل الأغاني والدفوف والطبل والمزمار ليبدأ الجميع في التصفيق والرقص حتى الأطفال كانوا يجرون في الساحة يحملون شموع صغيرة مضاءة تضيء وجوههم البريئة بالبهجة.
اقتربت الجدة نعيمة من فاطمة ووضعت يدها على رأسها وقالت بحب واضح
ربنا يسعدك ويجعل أيامك كلها بيضا زي قلبك يا بتي.
ثم رسمت بإصبعها على يد ابنتها علامة الحنة كمباركة للعروس. وقبلت فاطمه يد
أمها وهى تدعي لها بطول العمر.
وكانت زاهية تقف على بعد قليل تراقب الجميع بعينين متلألئتين وكانت تخفي خلف ابتسامتها بعض الح قد لكنها حاولت التظاهر بالفرحة لتشارك الجميع فرحتهم.
حين انتهوا باقي الرجال من الطعام جلس الكبار يواصلون الحديث وشرعت بعض الدفوف تقرع على استحياء فارتفعت الأغاني الشعبية على ألسنة الرجال وبدأ البعض الآخر ېدخن الشيشة فكان الجو مليئا بأبخرة التبغ تختلط برائحة الطعام وزهور الياسمين التي زرعتها النساء حول الدار.
في هذا المجلس لم تكن المناسبة مجرد حفل زفاف بل كانت فرصة للجميع للاجتماع ومشاركة اللحظات الطيبة ومباركة العروس والعريس. وأمام الجميع جلس حسين بجوار والده عبد الرحيم يشعر بالفخر وينظر نحو بيت العائلة المليء بالضيوف وكأنه يرى عرسا جمع كل أهل القرية لا لأجل فاطمة فقط بل لأجل العائلة كلها.
كانت الجدة نعيمة تراقب المشهد من على الدكة بعينين مليئتين بالرضا والسرور. وفي زحمة الفرح والرقص جاء إسماعيل يصفق ويغني مع الصبية وعلت الزغاريد حتى أضاءت الفوانيس سماء القرية وتزاحمت النساء لأخذ بعض الحنه من سميرة التي كانت توزعها على الجميع ثم بدأ الضيوف يغادرون المكان واحدا تلو الآخر بعد أن انتهى الاحتفال في ساعة مبكرة.
في صباح اليوم التالي بدأ بيت الجد عبد الرحيم يستعد ليوم الزفاف. كان الجميع منشغلا الفتيات يساعدن في تجهيز العروس والرجال يتحضرون لاستقبال العريس. زينوا الهودج الذي سيحمل فاطمة وعليه الأقمشة الحريرية المزخرفة وكأنه منصة مرصعة بالألوان تجذب الأنظار إليها.
مع حلول العصر وصل العريس شاكر بصحبة عائلته من الرجال وبدأت الزغاريد تعلو من جديد. كان يركب حصانه مرتديا جلبابا جديدا ووجهه يغمره الفرح والهيبة. وقفت فاطمة تنتظر محاطة بأخواتها وأمها ثم وضعت على الهودج وأصبح موكبها مستعدا للتحرك.
خرجت القرية كلها لتشهد الموكب الذي تحرك ببطء وسط زغاريد النساء وهتافات الرجال. كان الموكب يسير خلف الحصان الذي يقوده زوجها شاكر وفاطمة تجلس في الهودج ووجهها متورد بالخجل تحاول أن تخفي ابتسامة صغيرة لكنها لم تستطع.
وفي مقدمة الموكب كان حسين يمشي بجوار أخته يحمل نظرات الفخر والسعادة. كان قلبه يرقص فرحا لأنه يشعر بأن مهمة زواج أخته تمت على خير وبأفضل مما كان يتمنى. نظر حوله ليرى كل أهل القرية تغمرهم السعادة وكأن هذه اللحظة لم تكن فقط لعائلة عبد الرحيم بل كانت فرحة لكل من حولهم.
وصلوا إلى بيت شاكر وعندما نزلت فاطمة من الهودج خرجت النساء ليحتضنها ويباركن لها والرجال يتبادلون التهاني والعريس يرحب بضيوفه بابتسامة عريضة. كان حسين يقف بعيدا قليلا وعيناه تلمعان بفرحة غامرة لأن اليوم الذي كانوا ينتظرونه مر بسلام وانتقلت مسؤولية فاطمة بين يدي من سيحفظها. يتبع

تم نسخ الرابط