الفصل الخامس عشر.بقايا عطرُ عتيق بقلم مريم نصار حصريه وجديده
كله بيضيع افتكري اخوكي عبد الحميد عمل ايه فينا!
صرت سميره على أسنانها محاوله كبح جماح ڠضبها و وضعت الكوب بغيظ حاول صالح تغيير الموضوع بسرعه وهو يحاول أن يبتسم ليخفف من حدة النقاش
ربنا يطول في عمرك ياست الكل وسيبك إنت يا ستي أنا متوحشك قوي وخالي صبري كمان فين وحشني جدا وخالي حامد هو كمان عايز أشوفه
ردت زاهية بنبرة لا تخلو من اللامبالاة
خالك صبري تلاقيه على القهوة زي عوايده وحامد وحجازي عند نسايبهم
ابتسم صالح وأومأ برأسه وقال محاولا تغيير الجو
وماله الله يقويقهم ابقي بلغيهم سلامي
كان الجو مليئا بالتوتر المخفي خلف الكلمات المبطنة زاهية لم تكف عن تقديم تعليقاتها اللاذعة التي كانت دائما تغلفها بحس السخرية بينما كانت سميرة تحاول أن تبدو متماسكة أمام والدتها محافظة على احترامها رغم شعورها بالضيق
صالح الذي اعتاد على أجواء الجدة الصعبة كان يحاول قدر الإمكان أن يحول الحديث إلى مواضيع أكثر إيجابية لكنه كان يشعر بثقل الكلمات التي تلقى بين السطور
وبينما كانوا يحتسون الشاي قالت زاهية بنبرة تعبر عن مزيج من السخرية والجدية
إحنا على أيامنا ما كانش فيه لا طب ولا هندزة كله كان فلاحه في الأرض دي كانت الحياة الصح اللي تبين الراجل من الصبي ويعرف معنى الشقى وقيمة الدنيا
رد صالح بابتسامة خفيفة وهو يحاول أن يحتفظ بلباقته
زمان كان ليه ظروفه ياستي زي ما بيقولوا أكده كل وقت وليه أدان والنهارده الدنيا اتغيرت ولكل واحد دوره في الحياة إحنا جدا محتاجين اللي يزرع الأرض وقصاده محتاجين اللي يعالج الناس ما فيش حد يقدر يستغنى عن حد ياستي كلنا في دايره لازم نكمل بعض فيها عندك مثلا أيام الكوليرا أيام الله لايعودها تاني ولولا الطب واكتشاف العلاج ليها كانت الدنيا خربت وناس كتيره قوي ماټت زي ما في ليل ياستي لازم تلاقي بعديه يطلع نهار متخليش اللي حصل مع خالي عبد الحميد يأثر عليكي وتخليكي تشوفي الكل هيروح مش هيعاود تاني عندك اني اها مفيش اجازه قضيتها بعيد عن العيله ولا اخواتي ولا حد من جيلنا والله أعلم بالظروف اللي مر بيها خالي خلاه مايعاودش والغايب حجته معاه يستي ولا إيه
صمتت زاهية قليلا وكأنها تفكر في كلامه ثم قالت بجمود
يمكن كلامك فيه حاجة من الصح بس انت ما تعرفش الأيام والسنين ياولدي هي اللي بتعلم الراجل الصح من الغلط وخالك عبد الحميد خلاص اني اعتبرته ماټ من زمان قوي
أما سميرة فقد كانت تتابع الحديث دون أن تضيف الكثير لكنها حرصت على إنهاء الزيارة قبل أن يتصاعد التوتر أكثر قالت وهي تضع كوب الشاي جانبا
اخويا عبد الحميد هيرجع إن مكنش النهارده يبقى بكره الطير المهاجر مسيره راجع لعشه يما
نظرت لها زاهيه بقوه وقبل أن تنطق بكلمة نهضت سميره وقالت
إحنا مش هنطول عليكي يما جايين نسلم عليك ونسمع منك دعوة حلوه وإن شاء الله برجع اشوفك قريب
ردت زاهية وهي تنظر إلى سميرة بنظرة ذات مغزى
الدعوة الحلوه حداكم في ي داركم يا بتي واني متوكده إن حماتك هتدعيلك كتير في أرض الحجاز خلي بالك من عيالك
ساد الصمت لبعض الوقت حتى انتهت الزيارة وغادرا الدار تحت ضوء القمر الذي بدأ يظهر خجولا كأنه يراقب أسرار الليل المتناثرة في صمت الريف
كان حسين يقف وسط الحقل يراقب سير العمل بعين يقظة وفي يده عصا صغيرة كان يهش بها على الأرض بين الحين والآخر الشمس بدأت تميل نحو المغيب والأفق يشتعل بلون برتقالي دافئ كان صوت حسان شقيقه يقطع صمت الحقل وهو ينادي من بعيد رفع حسين رأسه وقد عقد حاجبيه مستفسرا عن سبب مجيئه في هذا التوقيت اقترب حسان بخطوات سريعة وصوته يخرج مفعما بالحماس
يابا الحاج حسين يابا الحاج حسين ألف مبروك عيشة بتك ولدت و جابت واد!
توقف الزمن للحظة في ذهن حسين الكلمات ترددت داخله وكأنها محاولة لفهم ما يعنيه هذا الخبر ثم جاءت الصدمة العاطفية كأن شيئا ثقيلا قد أزيح عن صدره أخذ نفسا عميقا وطويلا وشعر بالارتياح يتسلل إلى روحه ولد! حلم كل أب في القرية وحلم حسين الذي لم يفصح عنه يوما لكنه كان يكبر بداخله منذ أن زفت ابنته عيشة إلى بيتها الجديد
ابتسم ثم ألقى عصاه جانبا وقال بصوت واثق مليء بالسرور دون أن يكترث بإخفاء مشاعره أمام شقيقه بدأ يسير باتجاه القرية خطواته ثقيلة ولكنها مليئة بالحماس طوال الطريق كان يشعر بمزيج من الفخر والامتنان وكأن الله قد أكرمه بفرحة تضاهي سنوات العمل والكد في داخله كان يستعيد ملامح عيشة حين كانت صغيرة وهي تركض حول الدار بضحكاتها الطفولية وها هي اليوم قد أصبحت أما لطفل سيحمل اسم عائلتهم إلى الأجيال القادمة
عند وصوله إلى دار عيشة ألقى نظرة على الباب الخشبي القديم ثم دخل بهدوء في الداخل كان الجو دافئا ورائحة البخور تعبق في المكان وجد عيشة مستلقية على فراشها وعلامات الإرهاق بادية على وجهها لكنها تحمل نظرة فرح عميقة بجانبها كان الطفل ملفوفا في قطعة قماش بيضاء صغير الحجم لكنه يحمل عالما بأكمله في وجوده اقترب حسين منها ولمس رأسها بحنان ثم نظر إلى المولود نظرة طويلة
شعر بثقل المسؤولية على كتفيه لكنه كان ثقلا محببا هذا الطفل ليس مجرد حفيد إنه امتداد له جزء من روحه سيعيش بعده شاهد على قصصهم وماضيهم لم يقل شيئا لكنه في داخله كان يدعو الله أن يجعل هذا الولد صالحا حافظا لاسم العائلة وكرامتها أمسك بحفنة من النقود كان قد أعدها في جيبه وضعها بجانب فراش ابنته كجزء من الواجب ثم خرج ليأمر بإحضار بعض الطعام والحلوى لدار عيشة ليكون احتفالا بسيطا لكنه يحمل فرحة كبيرة
مرت الايام وكانت صباح تجلس في ركن البيت جسدها متصلب وعينيها مملوءة بالشرر قلبها يكاد ينفجر من الڠضب والشعور بالخذلان يسيطر عليها بالكامل مر شهر كامل ولم يأتي إليها أحد من أهل زوجها لا أخوه ولا حتى أخته ولا زوجها كانوا جميعا يتجاهلونها وكأنها لا وجود لها في عالمهم تفكيرها كان مليئا بالأسئلة التي لا تجد لها جوابا هل تظن عائلته أنني لا أستحق السؤال أم أنهم يظنون أنني أتحمل كل شيء وحدي كل يوم يمر دون أن يشعر بها أحد كان يزيد من ڠضبها وكأن الزمن كان يعاقبها على صمتها وعلى السكوت الذي حملته طيلة الفترة الماضية عيونها تش تعل بالبكاء الذي لا تجرؤ على إظهاره فهي لا تريد أن تكون ضعيفة في نظرهم لكنها تشعر بأن الصمت يجر ح أكثر من الكلمات في داخلها يزداد الڠضب حتى وصل إلى مرحلة لم تعد قادرة على تحمله وكلما تذكرت كيف كانت تسعى دائما لإرضائهم كلما زاد الشعور بالمرارة في
قلبها
في أحد الأيام كان حسين يجلس تحت شجرة الجميز يراقب السماء التي بدأت تكتسي بالنجوم لم يشعر أن يومه كان استثنائيا بل كان مجرد يوم آخر في سلسلة أيامه صحيح أن الحدث الأخير كان يحمل طابعا خاصا فها هو يصبح جدا لأول مرة لكن فرحته كانت هادئة ربما لأن الحياة بالنسبة له كانت دائما مشغولة بالعمل والالتزامات شعر بشيء من الرضا كأن هذا الولد جاء ليؤكد له أن تعب السنين لم يذهب سدى ولكنه على جانب آخر كان عقله منشغلا بقصة أخيه عبد العزيز الذي كلما نظر إليه وجد الحزن يكسو معالمه
كان صالح يساعدهم في الأرض وعندما شعر بحالة أبيه الشاردة اقترب منه وجلس بجانبه لاحظ أن عيون أبيه كانت تائهة متعلقة بأخيه عبد العزيز قال صالح ملمحا محاولا كسر الصمت
ابويا عبد العزيز مبقاش زي الأول يا با من يوم ما مراته سابت الدار
حسين نظر إليه قليلا ثم رد بصوت منخفض
بكره ينسي ويبقى زين
لكن صالح لم يقتنع وأجاب بسرعة
مستحيل ينسى دي مراته وأم عياله فات على فراقها له شهر وأكتر يا با وأحنا داخلين على أيام مفترجه
حسين شعر بثقل الكلام في قلبه لكنه حاول أن يغير مجرى الحديث قائلا
عايز توصل لإيه يا صالح اني مش فايقلك
أجاب صالح بحماس وكأن الأمر له أهمية خاصة
بقول يعني إن خلاص باقي يومين على شهر ذي الحجة ويبدأ وهنبدأ صيام وعايزينها تبقى ويانا في الأيام المباركة دي زي كل سنه بستأذنك علشان خاطري تروح ترجع مرت عمي صباح وتخلي فرحتنا تكمل
حسين نظر أمامه بقوة ثم رفع رأسه وقال بصوت حازم
مش هيحصل ولسه متخلقش اللي يلوي دراعنا ومش هترجع ولا تخطيها! قبل ما تتربى وتعرف إن الله حق!
يتبع