الفصل السادس عشر بقايا عطرُ عتيق بقلم مريم نصار حصريه وجديده
الفصل السادس عشر بقايا عطر عتيق بقلم مريم نصار حصريه وجديده
كان يجلس عبد اللطيف على المصطبة أمام الدار يودع حفيدته عائشه وهي تحمل وليدها الرضيع بين ذراعيها وقد امتلأت عيناه بالفرح منذ سنوات طويلة وهو ينتظر اللحظة التي يرى فيها أحفاده يكبرون أمامه واليوم كان يشعر بأن العمر أخيرا منحه تعويضا صغيرا عن خسائره الكثيرة
وبعد إن غادرت عائشه لمنزل العائلة الټفت عبد اللطيف إلى زاهية التي كانت تجلس بجواره بملامح متصلبة عيناها تنظران إلى السماء وكأنهما تهربان من كل ما حولها بصوته الهادئ قال
سبحان الله يا زاهية شوفتي عيشت لحد ما شوفت أحفاد احفادي بعيني الواد ده بركة من ربنا بنتك سميرة جوزت البنات وجابت لنا النعمة دي وكمان بنات صبري ولدنا عوضونا بالخلف الصالح بس اني شايفك يعني مش فرحانة و وشك مقلوب ليه كفى الله الشړ
نظرت إليه زاهية نظرة باردة وقالت بنبرة متحجرة
أفرح بإيهما كل اللي في عمرها خلف من بدري جديده دي يعنيوبعدين دي بت بنتك مش بت ولدك ما حد من عيالهم هيشيل اسمك ولا اسم ولادك والخيبه بنات صبري اتبشروا بالبنيه قبل الصبي خلفتهم شوم بعيد عنك
شعر عبد اللطيف بوخزة في صدره لكنه احتفظ بابتسامته وقال بنبرة هادئة وهو يحاول أن يلين قلبها
الواد زي البت يا زاهية دلوقتي الزمن اتغير المهم اللي يكون حنين عليكي ويحطك فوق راسه مين الواد ولا البت
رفعت زاهية عينيها ببطء ونظرت إلى الأمام كأنها ترى ما وراء الأفق بلهجة ملؤها الحقد قالت
الواد هو الواد ياعبد اللطيف راجل يسند ويملى العين أما البت عودها ضعيف ويتكسر مع أول ريح البت مش دايمه في دار أهلها الواد هو اللي يسند ضهرك وهو حمايتك
سكتت للحظة ثم أضافت بغيظ
مش لو عبد الحميد ابنك كان موجود معانا دلوقتي كنت فرحت بخلفته هو الكبير وكان زمان الواد لكبير عنده قد صالح ابن بنتك لكن ابنك حړق قلبي عليه
شعر عبد اللطيف بغصة في حلقه وألم عميق يعتصر قلبه لم يكن قادرا على الرد مباشرة فالجراح التي فتحتها كلمات زاهية كانت أعمق مما يتخيل فكر في ابنه عبد الحميد الذي تركهم منذ سنوات ولم يظهر أي إشارة بأنه مازال على قيد الحياة عينا عبد اللطيف امتلأتا بالحزن وهو يتساءل في نفسه إيه اللي عملته في حياتي عشان ابني يبعد كده يا ترى هو عايش ولا الأيام دارت عليه وودته مطرح مافيش منه رجعة
لكنه أخفى ألمه وحاول أن ينهي الحديث بنبرة مليئة باللطف
الزمن دوار يا زاهية اللي فاكره إنه بعيد عننا يمكن يرجع في يوم والمهم دلوقتي إنك تشوفي الخير اللي بين إيديك بدل ما تبصي ورا عيشة حفيدتنا جابتلنا بركة من عند ربنا وكمان بكره بنات صبري زي ما جابوا البت يجيبوا الواد روقي حالك انتي بس
لكن زاهية ظلت صامتة تحدق بعيدا وعيناها مشحونتان بالڠضب والخيبة
بينما كانت الشمس تميل نحو الغروب تخللت شائعات الكفر عن وصول واحدة من "الفتاحات" الشهيرات امرأة تردد الكلمات الغامضة "أبين زين أبين! واكشف المستور" وهي تدعي قدرتها على كشف الأسرار المخفية تلك العبارات التي كانت تتردد على لسانها جعلت الناس يتساءلون هل تحمل معها حقا القدرة على كشف المجهول
امام في البيت الكبير عم الهدوء وقت العصر كان حسين جالسا على الأرض أمام الدار يحتضن حفيده الرضيع بين يديه ملامحه هادئة لكنه غارقا بالأفكار التي تراوده حوله جلس إخوته الرجال ينغمسون في حديث مرح أصوات ضحكاتهم تتعالى في الهواء وكأنهم يتبادلون ذكريات طفولية قديمة
غير بعيد عنهم كان عبد العزيز منهمكا في خياطة كيس من القماش البالي أصابعه تتحرك بخفة بين الغرز كأنه يحاول حياكة ذكرياته مع خيوط الزمن تعابيره جادة وصمته يوحي بأنه يجد في هذا العمل ملاذا من أفكاره
أما النساء فكن جالسات على الأرض في زاوية قريبة من الرجال يجمعهن حوض واسع ممتلئ بالقمح بأيد خبيرة كن يمررن أصابعهن بين الحبات ينتقين منها كل ما علق بها من شوائب صغيرة كحبات الطوب والرمل وبقايا التبن كانت أياديهن لا تهدأ تتحرك بسرعة ودقة وكأنهن في سباق صامت مع الزمن
رائحة القمح الجاف تملأ المكان وصوت الحبات وهي تتساقط في الحوض كان متناغما مع ضحكاتهن وأحاديثهن التي كانت تتقاطع دون أن تفقد إيقاعها بعضهن كن يثرن النكات وأخريات يتبادلن الأخبار لكن عيونهن ظلت مركزة على القمح وكأن لكل حبة منه قيمة لا تقدر بثمن
فجأة شقت أجواء السكون هذه المرأة الغريبة كانت تحمل كيسا من الودع بيديها تسير بخطوات ثابتة تنظر من حولها بنظرات واثقة كأنها تبحث عن هدف محدد توقفت أمام البيت الكبير وبعينين مليئتين بالغموض وجهت نظرها إلى عبد العزيز الجالس قرب باب الدار
اقتربت بخطوات بطيئة وجلست أمامه ثم وضعت كيس الودع أمامها وبدأت تهمس بكلمات خاڤتة كأنها تدخل عبد العزيز في طقس غريب كان يراقبها بحذر بينما أطلقت عبارتها الأولى تلك التي جعلت الجميع ينتبه لما يجري
قال عبد العزيز باستغراب
خير يا وليه انتي جاية لحد عندي ليه مش شايفة الرجالة قاعدين هناك حبكت اني يعني تفتحيلي المندل
رفعت المرأة عينيها إليه ونطقت بصوت خاڤت لكنه محمل بالثقة
أبين زين أبين جيت أشوف اللي في قلبك واكشفلك المستور والمستخبي كيف المرايه قدامك جواك علة محدش داريان بيها قلبك موجوع يا نضري عندك صبر غلب الصبر نفسه بس نقول إيه ادي حال الدنيا
تبدلت ملامح عبد العزيز وبدأت لمحة من القلق تظهر على وجهه لكنه سرعان ما تدارك نفسه من حوله كان إخوته يراقبون الموقف بفضول ينتظرون ما ستقوله هذه المرأة الغريبة
بعد لحظة صمت قرر عبد العزيز مجاراتها فوضع بعض النقود في يدها قائلا
طيب هاتي اللي عندك وقوليلي إيه اللي مخبياه الدنيا وإياك تطلعي كدابة!
اقتربت المرأة من الودع بدأت تضربه برفق وكأنها تدخل الحاضرين في مشهد سينمائي مليء بالتشويق ثم نظرت إلى عبد العزيز وقالت بثقة غريبة
كبدي عليك يا واد عمي جواك هم كبير وكتير قوي وقلبك شايل أكتر تايه ومحتار مابين تبوح ولا تسر في قلبك وتسكت وفي ناحيه تانيه قلبك مليان ڼار الفرقه و عاشق ولهان روحك معلوله من عشقك لصباح لحد الحين مع إنها هجرتك وهجرت الدار
كانت الصدمة واضحة على وجه عبد العزيز لكنه لم يلبث أن أطلق ضحكة ساخرة وقال
عشقان و ولهان وصباح انتي بتضحكي علينا ولا بتفتحي المندل بكلام ماسخ مامنوش عازه
أجابت المرأة وهي تلوح بيديها دون أن تهتز أكملت
أيوه يا عبد العزيز! هي وحشاك قوي ونفسك تشوفها! قلبك بيدق ليها بالعشق هى في الدار دي كوم وغلاوة الدنيا عندك كوم تاني صباح جواك بالدنيا كلها
عبد العزيز وقد بدأت ملامح الڠضب تتملك وجهه صاح
دانتي كذابة قوي قوي! صباح مين دي اللي عاشقها دي لو هجت من البلد كلها هاكون أسعد واحد في الكفر قومي فزي من هنا عكرتي مزاجي الله يعكنن عليكي!
بينما كان الجميع يشاهد هذا المشهد حاولت المرأة الحفاظ على هيبتها وقالت بصوت مليء