الفصل السادس عشر بقايا عطرُ عتيق بقلم مريم نصار حصريه وجديده

موقع أيام نيوز

الدار كيف يعني أرجعها بعد ما صغرتني قدام أهل الدار كلها لاه اني مش هجيبها حتى لو قعدت عمري كله لروحي! كانت تلك الأفكار تلاحقه في صمت
في البيت الكبير كانت العائلة تلتئم حول مائدة الإفطار كان عبد الرحيم ونعيمة في حجهم لكن المكان لا يزال يعج بالحياة سميرة تجلس على طرف المائدة مع أولاد عبد العزيز كانت كل امرأة تعرف دورها منهن من تضع الطعام أمام الأولاد ومنهن من تهتم بكل التفاصيل ضاحكة معهم ولكن في أعماقها كانت الحزن يحزنها على غياب أمهم صباح أما في بيت صباح كانت هي تجلس مع والدها في صمت تضع الطعام بينما في قلبها كان هناك حنين كبير لأولادها رغم ذلك كانت ترفض الاعتراف بهذا الضعف وتتمسك بموقفها
بينما كانت النساء يعكفن على العناية بأولاد عبد العزيز كان هناك نوع من الحنان الجماعي يتغلغل بينهن سميرة وإخلاص وغيرهن من نساء العائلة كان يحرصن على أن يشعر الأولاد بالأمان والمحبة وكأنهن امتداد لوالدتهم في غيابها كان المشهد يشير إلى قوة المرأة الريفية وتماسكها دائما في الأوقات العسره
أما حسين فكان قد وضع أمام عينيه هدفا كبيرا إتمام بناء البيت الجديد قبل عيد الأضحى كان يعلم أنه يحمل على عاتقه مسؤولية كبيرة تجاه عائلته خاصة مع غياب عبد العزيز المستمر عن بعض الأمور كل صباح كان ينهض قبل الفجر يتأكد من كل صغيرة وكبيرة في موقع البناء يشرف على العمال بنفسه ويعمل بكل جد وسعي لإنهاء العمل في الوقت المناسب بالنسبة له لا شيء أهم من أن يرى عائلته في العيد متجمعين أمام البيت الجديد مفعمين بالفرحة والفخر بما تحقق
في إحدى الجلسات مع إخوته أثناء إشرافه على العمال اقترح أحدهم بفكرة بسيطة لكنها مميزة أن يتم رسم سفينة كبيرة على جدار المنزل الجديد مع كتابة بعض الكلمات الدلالية مثل "حج مبرور وذنب مغفور" احتفاء بعودة الجد والجدة من الحج لم يتردد حسين لحظة في الموافقة بل استدعى العمال على الفور وطلب منهم تنفيذ الفكرة بعناية مشددا على أن تكون الكتابة واضحة والألوان زاهية
لم يقتصر الأمر على ذلك حسين بحسه المسؤول أمر أيضا بدهن جدران المنزل الجديد من الداخل والخارج بأفضل الألوان ليبدو مهيبا وجميلا جاهزا لاستقبال العيد وبنفس الروح نظر إلى البيت الكبير الذي يجمع العائلة وقرر أن يشمله هو الآخر بلمسات تجديد طلب من العمال دهان البيت الكبير بنفس الاهتمام والتفاصيل كي يشعر الجميع بأن العيد هذا العام يحمل في طياته فرحة حقيقية وتجديدا لكل شيء
كان حسين يعمل بصمت لكنه في داخله كان سعيدا برؤية البيت يتحول يوما بعد يوم إلى رمز للترابط العائلي والبهجة المنتظرة مستعدا لاستقبال عائلته في أجواء يملؤها الحب والتلاحم
مضت أيام الصيام بطيئة على الريف وأتى اليوم التاسع يوم عرفة كان الهواء عليلا والناس في بيوتهم يتأهبون لإعداد الإفطار ويتوجهون إلى الله بالدعاء والعبادة أما صباح فقد كانت تعد الطعام على الكانون الدخان يملأ الأفق برائحة الخبز الطازج الذي يصعد مع النسيم كانت تركز في عملها تحاول أن تبقي ذهنها مشغولا عن غياب أولادها وعما يزعج قلبها
فجأة سمعت طرق على الباب وعرفت أن أحدا قد جاء فانتبهت سرعان ما قام والدها بفتح الباب ليجد حسين يقف أمامه كان دخوله مفاجئا لها فهي لم تكن تتوقعه
رحب به الحج زكي في سرور قائلا
أهلا وسهلا يا حج حسين ادخل اتفضل يا بني
وضع حسين قدمه على عتبة البيت بخطوه ثقيلة وهو يتنحنح قبل أن يدخل قال وهو يخطو
يا رب يا ساتر
ثم جلس على الكرسي الخشبي داخل المندرة حيث كان الحج زكي يجلسالمندرة كانت واسعة جدرانها باهتة بلون أبيض مصفر تحكي عن سنوات طويلة من الذكريات على الأرضية سجادة كبيرة بنقوش تقليدية تعلوها طاولة صغيرة تحمل إبريق شاي وصينية نحاسية الإضاءة خاڤتة صادرة من مصباح معلق في السقف تضفي دفئا على المكان الحوائط مزينة بصور عائلية قديمة تحكي عن أمجاد العائلة وأصولها
بدأ الحديث بينهما عن أحوال الأهل ولفترة قصيرة تحدثوا عن الأمور العادية لكن حسين لم يكن ليدع الحديث يمر هكذا بعد قليل رفع رأسه وقال
بستأذنك يا حج زكي عايز مرت أخوي في كلمتين مهمين ده لو تسمحلي طبعا
ابتسم الحج زكي وقال بهدوء
ايهي إذن ايه بس يابو صالحدي صباح زي أختك يا راجل وعاشت في دار القواسمه أكتر من دار ابوها هنادي عليها حالا وربنا يهدي الأحوال
ثم أضاف بتمني
متأخذنيش ياحج حسين في اللي هقوله صباح بتي أغلب من الغلب والله بس هى حيمقيه حبتين مبتعرفش تفكر قبل ما تحكي وزي ما قولتلك هى أختك وعايزين نرجع المية لمجاريها
أبتسم حسين وحرك رأسه بهدوء وقال
اطمن يا عمي ولاد القواسمه مابيمشوش غير في الخير
نهض الحج زكي من مكانه وتوجه إلى داخل المنزل حيث نادى بصوت مرتفع
صباح! صباح! تعالي سلمي على ابوكي الحج حسين
فور دخول صباح إلى المندرة وجلوسها على الكنبة المقابلة كانت نظراتها متوجهة إلى الأرض تتجنب لقاء عيني حسين كانت تشعر بثقل الجو وكأن الصمت الذي يملأ المكان يزيد من حدة التوتر الجدران التي اعتادت أن تكون شاهدة على حديث العائلة اليوم تبدو كأنها تحتفظ بأسرارها
حسين بلهجته الحازمة وصوته الذي لا يعترف بالضعف لم يمنحها فرصة للتهرب من الموقف نظر إليها نظرة ثابتة وكان حديثه محملا بالثقة والجدية قال بنبرة جادة كأنما يريد أن يضع النقاط على الحروف
ازيك يا صباح
فأجابته صباح بصوت خاڤت
نحمد الله يابو صالح
ولكنه دون أن يعطيها فرصة للراحة تابع
ها مبسوطه بقعدتك في دار ابوكي
أرض الله كلها حلوه يابو صالح
نظر إليها حسين نظره حادة ثم قال
ولما هو أكده قولك! وأرض الله كلها حلوه وزينه! ليه نبشتي على دار جديده لروحك
تلعثمت صباح محاولا السيطرة على نفسها ثم أجابت
اني مقولتش أكده بالظبط اني قولت
تابع حسين بصوته الثابت الذي يشبه ضربات المطرقة
قولتي وهما قالوا اني ماليش في لت وعجن الحريم ده نهايته اني عندي كلمتين جاي أقولهملك وبعدها اختاري ياتفضلي قاعده جار أبوكي العمر كله وحد الله بينك وبين دارنا ياتسمعيهم مني وترجعي معايا على دار جوزك متصانه ومعززه مكرمه
صمتت صباح وعينيها مليئة بالحيرة
كانت الشمس وقتها قد مالت إلى الغروب وهدوء المندرة لم يكن يعكس ما يدور في قلب حسين من عاصفة حقيقية كأنها ټضرب وجه صباح بإصرار عينيه تشعان بالڠضب الممزوج بالحزم بينما صباح تجلس على طرف الكنبة ارتبكت قليلا عند رؤية ملامحه الجديه هكذا لكنها حاولت أن تبدو ثابتة رغم أن قلبها يخفق بسرعة
بينما حسين عيناه مثبتتان عليها كأنهما تخترقان دفاعاتها لكنه لم يترك عينها ولو للحظة تنحنح بصوت عميق قبل أن يبدأ كلامه بينما صباح تشعر أن كل كلمة منه كانت مثل صڤعة
قال بحزم نبرة صوته لا تحتمل أي جدال
شكلك بتنسي كتير اليومين دول بس مفيهاش حاجه لمن ارجع وافكرك مين هما رجالة القواسمه
رجالة القواسمه كيف السد ميأثر فيه ريح ولا عاصفه واحنا مانفرقش عن بعض حاجه دمنا
تم نسخ الرابط