الفصل السادس عشر بقايا عطرُ عتيق بقلم مريم نصار حصريه وجديده

موقع أيام نيوز

في الجدران كأنها تبحث عن تفسير لما حدث أو عن مخرج من ألمها شعرت أن الغرفة ټخنقها فنهضت بتثاقل وسارت نحو السطح هناك جلست وحدها تحت سماء حالكة والدموع تهطل من عينيها بلا توقف تحكي عن انكسار لا أحد يراه
كان صالح عائدا من ترتيب بعض الأمور في فناء الدار عندما لمح حركة خفيفة فوق السطح توقف لحظة يتأمل ثم صعد بخطوات حذرة متسائلا عن سبب وجود أحدهم هناك في هذه الساعة ما إن وصل حتى وجد صباح جالسة تحت السماء المظلمة عيناها تلمعان بالدموع كأنها تحمل عبئا ثقيلا فوق كتفيها اقترب منها بهدوء مراعيا ألا يفزعها وقال بصوت يحمل شيئا من التعجب
خير يامرات عمي قاعدة في الضلمة لوحدك ليه
انتفضت صباح قليلا عند سماع صوته كمن ضبط متلبسا ثم التفتت إليه سريعا تمسح دموعها بيد مرتجفة وتحاول تمالك نفسها لم تقل شيئا لكن عينيها الباكيتين كانتا أبلغ من أي كلام جلس صالح بجوارها ناظرا إليها باهتمام ممزوج بالشفقة وأكمل بصوت هادئ ومطمئن
طيب ليه البكا ده كله دي الدنيا عيد يا مرات عمي مالك بس المفروض انتي لسه راجعه دارك يعني تنوريها مش تغمقيها بدموعك
ترددت صباح للحظة وهي تحاول إخفاء ارتجاف صوتها لكن المشاعر غلبتها وقالت بصوت مخڼوق بالكاد يخرج من حلقها
ويفيد بأيه رجوعي لمن عمك مش رايدني كيف الأول أبوك عبد العزيز جرحني أوي بحديته وياي وقالي كلام سمم بدني بيه وحاسه اني مش قادره أتنفس منه حاجه كبيره طابقة على على قلبيوبرضو مش عارفة أعمل إيه عشان اخليه يسامحني ويرضى عني
ظل صالح صامتا للحظات ينظر إلى الأرض وكأنه يفكر بعمق ثم رفع عينيه نحوها وقال بحكمة تحملها نبرته الهادئة
بصي يا مرات عمي الزعل ده وارد بين أي اتنين يمكن عمي لسه واخد على خاطره شوية منك وعايزك تتأكدي إن ورا كل باب في البيت ده! مداري حجات ياما ومشاكل كتير اوي محدش عايش في فرح دايم لأن دي سنة الحياة لكن الأجمل بقى إننا نغير من نفسنا ونحاول نعيش حياتنا بطريقه أبسط من كده بكتير ونبعد عننا اي حاجه تعكنن علينا وتخلي حبايبنا يزعلوا مننا بس أرجع واقولك الأيام كفيله تنسي أي زعل حصل بينكم لكن الأهم من كل ده بما إنك مضايقه وزعلانه على زعل عمي لازم تتغيري يامرات عمي ولازم إنك تثبتي لنفسك قبل ما تثبتي لعمي إنك اتغيرتي مش علشانه بس لكن عشانك صدقيني كل اللي حوالينا شايفين إنك طيبة بس من جواكي وداخلك فيه جوهر جميل لكن بتحاولي تتداريه و يمكن الغلاف اللي بتستخبي وراه ده هو اللي بيخلي بعض الناس يشوفوا عكس كده وبيحكموا عليكي من خلاله
تسللت كلماته إلى قلب صباح كنسيم بارد في ليلة خانقة لكنها لم تستطع منع نفسها من التساؤل نظرت إليه بتردد وسألت بصوت خاڤت
قصدك اتغير اتغير إزاي يعني يعني أعمل إيه وكيف
ابتسم صالح برفق وكأن كلماته القادمة تحمل وعدا بالأمل وقال
ابدئي من نفسك بيني طيبتك وحنيتك لكل اللي حواليكي الحياة اقصر من إننا نحارب بعض علشانها ومش عيب نبين إننا بنحب وحنينين مع اللي بنحبهم وده عمره ما هيبان ضعف العكس هيبان قوة صدقيني لو حاولتي هتلاقي الكل في البيت فرح بيكي وأولهم عمي وهترجع المية لمجاريها عمي عبد العزيز أكتر واحد متسامح وقلبه أبيض صافي وصدقيني بيحبك زي الأول واكتربس انتي قربيه منك تاني وهتشوفي النتيجة
ظلت صباح تنظر إليه بصمت تشعر أن كلامه لامس شيئا عميقا داخلها شيئا نسيته منذ زمن أومأت برأسها ببطء وكأنها تعاهد نفسها بالتغيير وقبل أن يقوم صالح نظر إليها بابتسامة مشجعة وقال
دلوقتي قومي نامي علشان تصحي فايقة ومصحصحة بكره عيد ومحتاجينك معانا
وقفت صباح بتثاقل لكن قبل أن تخطو نحو السلم التفتت إليه وقالت بصوت خاڤت يحمل امتنانا
كل سنة وانت طيب يا صالح
رد صالح عليها بابتسامة دافئة مفعمة بالإخلاص
"وإنت طيبة يا مرات عمي واحلا عيد بيكي ومعاكي
ظلت كلمات صالح عالقة في ذهن صباح وهي تنزل ببطء كأنها شعاع أمل صغير وسط ظلام كبير شعرت للمرة الأولى أن لديها فرصة حقيقية لتعيد بناء ما ټحطم حولها
يتبع
 

تم نسخ الرابط