الفصل السادس عشر بقايا عطرُ عتيق بقلم مريم نصار حصريه وجديده
المحتويات
بالثقة
متدارش يا عبد العزيز عينك ڤضحاك! صباح هترجع ويمكن الليلة وهتكون أول واحد يفرح برجوعها عينك ڤضحاك ياواد عمي
لكن عبد العزيز لم يتحمل أكثر وقف وصاح پغضب
انتي حد مسلطك عليا ياست انتي هى ناقصاكي قولتلك قومي فزي من هنا وهاتي الفلوس اللي خدتيها! حار وڼار في جتتك ما ناقص تقوليلي إني مغرم صبابه كمان! وشوية شوية هسرح بربابه وراها! الله ېخرب بيت اللي جابك وحدفك علينا!
غادرت المرأة وهي تتمتم بكلمات غامضة والعيون تلاحقها بابتسامات مكبوتة وبمجرد اختفائها اڼفجر الإخوة في ضحكات متواصلة بينما عبد العزيز كان يحاول إخفاء ارتباكه كانوا يعلمون أنه صدقها في البداية لكنه حول الأمر سريعا إلى سخرية مريرة
وهكذا مضى الوقت بمزيد من الضحك والقصص التي ستروى طويلا في الكفر
بينما كان المساء يقترب وتلونت السماء بألوان الغروب الهادئة عاد الحديث عن المرأة الغريبة ليملأ الأجواء بينما حسين بدا عليه عدم الاكتراث بما حدث وقف فجأة واتجه نحو البيت الجديد كان عقله مثقلا بالتفكير في الأيام القادمة وبالمسؤولية التي يحملها تجاه العائلة
على بعد خطوات لحقت به سميرة مترددة لكنها مصممة على التحدث معه اقتربت منه وهي تقول بنبرة هادئة لكن فيها رجاء
ابو صالح بكره أول يوم في الصيام والليالي دي كلها خير وبركة وكنت بقول يعني مفيهاش حاجه لو ترجع صباح على الدار كفاية اللي حصل أخوك صعبان عليا واني متوكده إن الكل هيكون مبسوط لو رجعت وبقت وسط عيالها من تاني
توقف حسين وأدار رأسه نحوها ببطء نظر إليها بعينين ضيقتين ثم قال بحدة وهو يلوح بيده
إيه يام صالح انتي صدقتي كلام الولية المخبولة دي اياك فاكرة إن الخبل وشوية الودع بتاعها ده ليه لازمة هي بتقول أي كلام عشان تلم قرشين وخلاص
تراجعت سميرة خطوة لكنها لم تفقد شجاعتها فأضافت بنبرة حانية
لا مصدقتش اني بتكلم وياك عشان أخوك عبد العزيز صعبان عليا قوي وباين عليه إنه موجوع كفاية لما بشوفه يبص على عيل من عياله ويسألوه امي هترجع امتى يابا قلبي بيتخلع عليه وعليهم ومهما كان اللي حصل في الأول والأخير دي مرته ام عياله وإحنا عيلة والضفر عمره ما يطلع م اللحم والبيت عمره ما هيعمر بالفراق ياسي حسين
ارتفع صوت حسين وهو يقترب منها
بقولك إيه يا سميرة متتدخليش في اللي مالكيش فيه وعبد العزيز لو كان رايد يجيبها كان قالي ولا راح جابها مش هنبه عليكي متفتحيش السيره دي قدامي تاني مفهوم
نظرت إليه بحزن لكنها فضلت الصمت رأت في عينيه عنادا لا يمكن كسره الآن استدار حسين وأكمل طريقه تاركا إياها واقفة وحدها أمام مدخل البيت
كانت الرياح تحمل معها أصوات الضحكات من الجلسة السابقة لكن سميرة شعرت ببرودة تغلف الجو رددت في نفسها "يمكن الأيام المفترجه دي تكون فرصة يمكن الخير ياجي من غير ما نفكر ونشيل هم ليه الله يهدي الحال هاتها جمايل يارب ثم عادت أدراجها وملامحها تتحدث عن أمل ما زال ينبض في قلبها رغم الجفاء الذي يملأ الأجواء
كانت الشمس قد غابت وابتدت ظلال المساء تكسو البيت في وسط الدار جلست صباح على الأرض ملامح وجهها مغمورة بالهدوء والصمت لا تسمع في المكان سوى صوت يديها وهي تعجن العجين برفق وكأنها تغمس أصابعها في قلبها لتخفف عن نفسها هموم الأيام كان العجين يلتصق بين يديها بينما كانت أفكارها تائهة قلبها لا يزال مشغولا بما تركته خلفها
دخل الحج زكي من باب البيت بعد صلاة المغرب وكان في يده مسبحته التي يمررها بين أصابعه خطواته كانت هادئة لكنه شعر بوجود شيء غير طبيعي في الجو لاحظ كيف كان البيت هادئا جدا وكيف أن صباح مثلما اعتاد تجلس بصمت اقترب منها ثم وضع المسبحة في جيبه وقال بصوت هادئ محب
كل سنه وانتي طيبة يا صباح يا بنتي ينعاد عليكي بالخير
رفعت صباح رأسها ونظرت إلى أبيها نظرة عميقة ثم ردت بحب وهدوء
وانت بخير يابا ينعاد عليك بالصحة والعافية
جلس على الكرسي الخشبي المكسو بالغبار والذي كان يعرفه جيدا كما كانت يديه تداعب حواف الكرسي قبل أن يلتفت مجددا نحو ابنته كان في قلبه شيء يريد أن يقوله شيء لم يستطع أن يحتفظ به أكثر فقال
بمناسبة إننا في أيام مفترجة وداخل علينا عيد مش ناوية ترجعي لدارك وزوجك أو حتى ترجعي عشان خاطر عيالك متوحشتهمش إياك
توقفت عن العجن لحظة ورفعت نظرها إلى أبيها ملامح وجهها كانت مليئة بالحزن لكنها لم تترك مجالا لأي حديث عن رجوعها قالت بصوت حازم دون تردد
مش هارجع يابا مش هحط رجلي في دار القواسمه إلا لما ياجي جوزي لحد عندي ويتحايل علي ويردلي كرامتي وإن كان على العيال بشوفهم كل فين وفين بس بردك دول بيبقوا عيالهم في الأول قبل ما يبقوا عيالي وهما هيخلوا بالهم منهم زين
الحج زكي وقد استشعر العناد في كلماتها تنهد وقال بصوت لا يخلو من الحزن
يعني مش هترجعي لدارك يا صباح هتفضلي متربسة عقلك كده يا بنتي
ابتسمت صباح ابتسامة صغيرة وأشارت بإشارة بيدها إلى العجين في الوعاء وقالت
لو متقل مني ومن قعادي هنا! اروح دار حد من عمامي واهو تكون مرتاح مني يابا
لاه ايه الكلام الماسخ ده يابتي وانتي يعني قاعده على راسي دي الدار بقى ليها حس من يوم ما جيتي وربنا يعلم اني شايل همك وخاېف عليكي قد ايه
متخافش عليا وريح بالك يا با وخش ريح جتتك شوية وإني هقوم عما أخبز شوية العيش دول تكون قدرة الفول طابت وبعدها نتسحر وربنا يتقبل منا ومنك
علم الحج زكي أنها قد أغلقت باب الحديث وأدرك أن كلامها جاء من قلبها دعا لها في سره بالهداية وتمنى أن ينقشع غيم الحزن عن قلبها في الأيام القادمة نظر إليها نظرة محبة ثم قال وهو ينهض من مكانه
ربنا يهديكي يا صباح ويريح قلبك يابنتي وهو يهم بالخروج تحركت أيديها برفق لتكمل عملها في صمت
في أول أيام الصيام كان الهواء في الريف يحمل نسيما دافئا يعلن بداية أيام العبادة وتأدية المناسك مع بزوغ الفجر كانت بيوت الفلاحين تستيقظ مع دقات الآذان النساء يجهزن الفطور السريع لأفراد أسرهن الصغار والأطفال يسرحون في الباحات الصغيرة كانت المنازل بسيطة ولكن في داخلها كان هناك دفء خاص يعكس الروح الجماعية للعائلة كانت الأجواء تعج بحركة مريحة مع التركيز على التهيؤ للصيام والتحضير لأيام العمل الشاقة التي تتبع رمضان فكل شيء كان يسير بهدوء دون ضوضاء لأن الحياة كانت تدور حول العمل والعبادة والتلاحم العائلي
عبد العزيز الذي كان يغالب حزنه كان يراقب أولاده يلعبون في ساحة البيت لكن في عينيه كان هناك ألم غامض بسبب غياب زوجته فقد كانت الأيام تمر ثقيلة عليه لا سيما مع رؤيته لأولاده وهم في شوق لعودتها في حين كان هو عاجزا عن فعل شيء ظل جاهدا عدم إظهار حزنه على غيابها العيال قاعدين من غير أمهم بس كل شوية يزنوا عليا أرجعها على
متابعة القراءة