قصة قصيرة دموع تروي حكاية بقلم منار الشريف حصريه وجديده
قصة قصيرة
دموع تروي حكاية
بقلم منارالشريف حصريه وجديده
منزل هادئ ومريح يحمل آثار الزمن نوافذه الخشبية مفتوحة تسمح لنسيم الليل البارد بالتسلل إلى أركانه. كانت الغرفة مضاءة بمصباح أصفر يلقي بظلال طويلة على الأثاث العتيق. الساعة الحائطية ټضرب التاسعة فيكسر صوت عقاربها الصمت بين حين وآخر. كانت ضي تجلس بجوار والدتها مستندة إلى الأريكة ذات النقوش الذهبية بينما يتأملها والدها محمود من كرسيه الهزاز وعيناه تحملان نظرة دفينة كأنه يحاول الاحتفاظ بكل شيء أمامه قبل أن يتغير. تتسرب رائحة القهوة المخلوطة بعبق المكان حيث للجدران صوت صامت يحكي عن الضحكات القديمة والدموع التي جففتها السنين كما كانت دائما لكن اليوم كان مختلفا. كانت تشعر أن هناك شيئا غير مرئي كأنه همسة عابرة كأنه قصة قادمة أو وداع لا يقال بالكلمات وإنما بالقلوب.
قالت ضي صاحبة الواحد والعشرين عاما بحماس طفولي وعيناها تلمعان بشغف مستتر
ماما هو الحب بييجي إزاي يعني الواحد يعرف إزاي إن إللي قدامه هو نصه التاني.
ابتسمت أمينة وهي تميل برأسها قليلا كأنها تستدعي من ذاكرتها مشهدا قديما
الحب يا بنتي مش حاجة ليها علامة واضحة هو زي المطر بينزل وقت ما الأرض تحتاجه بس مش دايما بييجي في وقته الصح ولا مع الناس الصح.
ضحك محمود بصوت عميق بينما يتأمل ابنته وكأنها طفلته الصغيرة التي لم تكبر يوما
بس أوقات المطر لما ينزل جامد بيغرق الأرض بدل ما يرويها يا أم ضي وساعتها الواحد لازم يلاقي له حل قبل ما يغرق هو كمان.
أمالت ضي رأسها بتفكير كأنها تحاول فك شفرة الكلام المتواري
طب وساعتها نعمل إيه نستخبى لحد ما المطر يهدى.
وضعت أمينة يدها على يد ضي بحنان وعيناها تمتلئان بدفء الأمومة
لأ يا حبيبتي الحب إللي يستاهل مش بنستخبى منه إحنا بنتعلم نمشي تحت ضله. نقبله بحلوه ومره بس لازم يكون يستاهل التعب ده.
في تلك اللحظة لم تكن ضي تدرك أن هذه الكلمات ستحفر في أعماقها وأنها ستعود إليها يوما حين تجد نفسها واقفة أمام خيار لم يكن يوما في حسبانها.
قاطع حديثهم عودة حنين شقيقة ضي الصغرى من درسها متعبة بعض الشيء لكنها سرعان ما تناست إرهاقها عندما رأت أفراد أسرتها متجمعين في غرفة المعيشة. جلست بجوار شقيقتها وأخذت تحكي عن أحداث يومها بينما تعالت الضحكات بين الجميع فكان والدها يشاركهما الحديث ووالدتها تستمع إليهم بابتسامة هادئة بينما نهاد الأخت الوسطى تتنقل بين الغرفة والمطبخ تحضر لهم العشاء.
سأل محمود وهو يعتدل في جلسته وينظر إلى حنين بعينين يملؤهما الاهتمام
إيه الأخبار بقى يا حنون المذاكرة عاملة إيه.
رفعت حنين حاجبيها بمرح ثم قالت بنبرة مطمئنة
كل حاجة تمام يا بابا. المدرسين بيخلصوا المنهج بسرعة فبحاول أذاكر أول بأول وإن شاء الله كله يبقى كويس.
هز محمود رأسه برضا
ممتاز. أهم حاجة تفضلي مركزة السنة دي سنة مصيرية وربنا يوفقك.
ابتسمت حنين وأومأت برأسها بينما واصلت ضي وأمينة الحديث عن أمور أخرى يتخللها ضحك خفيف وتعليقات طريفة. لم يمض وقت طويل حتى نادتهم نهاد من الخارج بصوت عال
يلا العشا جاهز.
هب الجميع من أماكنهم وتوجهوا إلى السفرة حيث اجتمعوا حول المائدة في جو عائلي دافئ يتبادلون أطراف الحديث أثناء تناول الطعام وسط أجواء مليئة بالحب والمرح.
بعد العشاء تسللت ضي بهدوء إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها بحذر ثم أمسكت بهاتفها وتنفست بعمق قبل أن تتصل بعمر. لم يمر سوى لحظات حتى جاءها صوته من الجهة الأخرى دافئا كعادته
ألو... حبيبتي وحشتيني.
ابتسمت ضي رغما عنها وردت بخفوت
وأنت أكتر يا عمر.
ساد صمت قصير كأن كلا منهما يحاول أن يستوعب وجود الآخر ولو عبر الهاتف قبل أن يكسره عمر بنبرة دافئة
حاسس أن بقالنا كتير ما شوفناش بعض مع إن آخر مرة كانت من كام يوم بس.
ضحكت ضي بخفوت وقالت ممازحة
هما كام يوم دول حاجة قليلة ولا أنت كنت عايزني أشوفك كل يوم.
تنهد عمر مبتسما ثم قال بصدق
لو ينفع طبعا أشوفك كل يوم.
سادت لحظة صمت قصيرة قبل أن يتابع
أنت فاضية بكرة عايز أشوفك.
ضحكت ضي بخفوت وقالت برقة
أيوه فاضية هنتقابل فين بقى.
تردد عمر قليلا قبل أن يجيب
زي المرة إللي فاتت في نفس المكان.
قالها بنبرة هادئة ثم أكمل
هشوفك بكرة أكيد.
ابتسمت ضي وأنهت المكالمة بسرعة قبل أن تشعر بالقلق من أن يسمعها أحد. ألقت هاتفها على السرير واستلقت بجواره تحدق في السقف بشرود وهي تفكر في لقائهما القادم بينما نبضات قلبها تتسارع. مر الليل ببطء وكأن عقارب الساعة تتعمد إطالة انتظارهما. ظلت ضي مستلقية على سريرها لساعات تفكر في اللقاء القادم حتى غلبها النوم أخيرا.
مع أول خيوط الصباح استيقظت على صوت المنبه يرن بإلحاح. نهضت بتثاقل لكنها ما لبثت أن تذكرت موعدها مع عمر فشعرت بطاقة مختلفة تسري في أوصالها. أسرعت إلى الحمام ثم اختارت بعناية ملابسها تبحث عن شيء يناسب اللقاء دون أن يبدو متكلفا. وأمام المرآة تأملت وجهها للحظات ثم مررت يدها على شعرها لتعدله بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة خجولة. كانت أمينة تراقبها من بعيد فاقتربت منها مازحة
إيه المناسبة السعيدة شكلك مهتمة بنفسك وشكلك زيادة النهاردة.
حاولت ضي أن تتظاهر باللامبالاة لكنها لم تجد ما ترد به سوى
عادي يعني يا ماما رايحة أقابل صحابي.
رفعت أمينة حاجبيها في شك لكنها لم تطل استجوابها وتركتها لحماسها المكتوم. خرجت ضي من المنزل بخطوات متسارعة تحاول كتم انفعالها. كانت الشمس مشرقة والهواء يحمل نسمة منعشة كأن اليوم كله متواطئ لصالحها. عبرت الشارع واتجهت إلى المكان الذي اعتادت أن تلتقي فيه ب عمر. وبينما تقترب بدأت ضربات قلبها تتسارع. ترى هل سيكون بانتظارها
في مقهى صغير في وسط المدينة تفوح منه رائحة القهوة الطازجة وأصوات الزبائن تختلط بالموسيقى الهادئة. جلست ضي في ركن بعيد ممسكة بدفترها ترسم خطوطا غير مفهومة على الورق كأنها تحاول تنظيم أفكارها وتضيع وقت حتى يأتي حبيبها. فجأة قطع صمتها صوت رجولي دافئ يحمل نغمة خفيفة من الدعابة.
رفعت ضي عينيها عن الدفتر فوجدت عمر يقف أمامها بابتسامته المعتادة ونظرته التي تحمل مزيجا من الحنين والشوق. ارتسمت على شفتيها ابتسامة تلقائية ثم أشارت إلى الكرسي بمرح
لو عرفت مين إللي حاجزه ممكن أقولك.
ضحك عمر وهو يجلس بتلقائية ثم أسند ذراعيه على الطاولة ونظر إليها متأملا
باين عليك مستنية حد مهم.
تظاهرت ضي بالتفكير وهي تمسك بفنجان القهوة أمامها وقالت بمزاح
آه طبعا. حد مهم جدا بس شكلك جيت قبله.
ضحك عمر بصوت خاڤت وقال بجدية ممزوجة بالسخرية
طيب أهو عندك فرصة تراجعي أولوياتك وتشوفي مين يستاهل تستنيه.
تلاقت نظراتهما في لحظة صمت قصيرة كأنهما يختبران إحساس اللقاء بعد غياب لم يكن طويلا لكنه بدا كذلك في حسابات القلب. كانت ضي تشعر أن حضور عمر أمامها يمنح اللحظة بعدا مختلفا كأن كل شيء صار أوضح كأن دقات قلبها عادت لتذكرها بما حاولت إنكاره طويلا. قطعت الصمت بنبرة هادئة
عامل إيه.
تنهد عمر وهو يريح ظهره على الكرسي
مش زيك شكلك مبسوطة النهاردة.
رفعت حاجبها بدهشة مصطنعة
هو أنت بتقيس سعادتي من وشي ولا إيه.
ابتسم عمر ونظر إليها نظرة دافئة
من عنيكي