قصة قصيرة دموع تروي حكاية بقلم منار الشريف حصريه وجديده
المحتويات
يا حبيبت القلب.
أحست ضي بحرارة وجهها ترتفع. فخفضت عينيها إلى فنجان القهوة وهي تحاول إخفاء ارتباكها. أما عمر فظل يراقبها بصمت وكأن كل تفصيلة صغيرة فيها تثير في داخله ألف إحساس. مرت لحظات من الحديث عن عشقهم لكن كان هناك شيء بداخلهم شيء لم يقال بعد لكنه يطفو بين الكلمات والضحكات.
توقفت ضي فجأة عن الحديث ونظرت إلى عمر بجدية
عمر أنت عمرك حسيت إنك بتفكر في حاجة بس مش عارف تقولها.
ألقى عمر نظرة طويلة عليها قبل أن يجيب
ساعات. بس لو الحاجة دي مهمة الواحد لازم يقولها.
ترددت للحظة ثم ابتسمت بخفوت وقالت وهي تشيح بنظرها بعيدا
طب لو الواحد خاېف يقولها.
مال عمر قليلا إلى الأمام ونبرته اكتسبت دفئا أعمق
خاېف من إيه.
لم تجب فورا بل اكتفت بابتسامة غامضة وهي تحرك الملعقة في قهوتها ببطء بينما كان عقلها يعج بأفكار لا تجد لها تعبيرا مناسبا. أما عمر فظل يراقبها بصمت مدركا أن هناك شيئا لم يقال لكنه لم يشأ الضغط عليها. بعض الكلمات تحتاج وقتها وبعض المشاعر لا تقال بل تفهم بين السطور.
وبينما كانا غارقين في تلك المسافة الغامضة بين العشق والغرام البوح والصمت دقت الساعة المعلقة على جدار المقهى معلنة أن الوقت يمضي تماما كما كانت تمضي الأيام بينهما ببطء شديد وبسرعة خاطفة في الوقت نفسه.
مرت الأيام وتعاقبت الشهور والحب بين عمر وضي كان يزداد قوة. لم يكن مجرد إعجاب عابر أو ميل عاطفي مؤقت بل كان شيئا أعمق من ذلك أقرب إلى القدر ذاته. كانت ضي ترى في عمر رجلها الأول والأخير. هو الحلم الذي نما في قلبها حتى أصبح واقعها الوحيد والمستقبل الذي تتطلع إليه بعيون مليئة بالأمل. أما عمر فقد وجد فيها ما لم يجده في غيرها. الطمأنينة التي لطالما افتقدها الشغف الذي يأبى أن يخبو والبيت الذي لا يحتاج إلى جدران ليشعر داخله بالأمان.
كانت لحظاتهما المسروقة معا تزداد عمقا تتناثر بين ضحكة عابرة هنا ونظرة محملة بفيض من المشاعر هناك وبين اعترافات صادقة كانت ترتجف على ألسنتهما قبل أن تخرج إلى النور. وحين بلغت مشاعرهما ذروتها قرر عمر أن يجعل من هذا الحب واقعا يعاش لا مجرد قصة تروى.
في ذلك اليوم وهو وفاء بعهد ووعد بينهم كانت ضي تقف أمام المرآة تنظر إلى انعكاسها بعينين ممتلئتين بالارتباك والسعادة في آن واحد. قلبها كان يخفق بقوة تكاد تزلزل أضلاعها لم تستطيع أن تهدئه فقد كانت اللحظة التي انتظرتها طويلا قد حانت أخيرا. ارتدت فستانا ناعما بلون البحر أزرق هادئ تماما كزرقة عيني عمر حين ينظر إليها بحب.
كان المنزل يعج بالحركة والضوضاء الزينة تتدلى من كل زاوية والأصوات تختلط في أرجائه بين ضحكات وتهنئات وأحاديث جانبية. وحين دخل عمر كان مختلفا عن كل مرة في عينيه تألق الحب لكن خلفه كان يختبئ خوف غير مرئي كأنه يخشى ألا تكون هذه اللحظة حقيقية كأن السعادة نفسها قد صارت أمرا مربكا. أقترب منها وأمسك يدها للمرة الأولى أمام الجميع ثم نظر في عينيها العسليتين وقال بصوت دافئ لم يصل إلى أذنيها فقط بل اخترق قلبها مباشرة بصدق
كنت مستني اليوم ده من زمان. أخيرا بقيتي ليا وبقيت ليك.
ضحكت ضي بخجل فقد شعرت أن الدنيا كلها قد ضاقت حتى صارت في تلك اللحظة مجرد مسافة صغيرة تفصل بين يديه ويديها لكنها لم تكن تعلم أن هذه الجملة رغم بساطتها ستكون أول وعوده التي ستنكسر.
لم يمر وقت طويل حتى اجتمعا تحت سقف واحد وكان يوم زفافهما أشبه بحلم مچنون تمرد على الواقع ليتجسد أمامهما.
كانت القاعة تتلألأ بأضوائها الموسيقى تحيط بهما كوشاح من البهجة. وكانت هي في ثوبها الأبيض تضحك بين ذراعيه وكأن العالم كله قد اختفى ولم يبق منه سوى عمر وضي.
وفي تلك الليلة حين كانا يرقصان وسط الأضواء همس لها وهو يشد على يديها برقة بالغة ويقول بصوت دافئ
هخليكي أسعد واحدة في الدنيا دي كلها.
ضحكت ولم تكن تعلم أن هذا الوعد أيضا سيتحول مع الوقت إلى كابوس. مرت الشهور الأولى من زواجهما كأنها فصل مقتطع من رواية رومانسية كانا يعيشان في عالمهما الخاص. عالم يملؤه الحب والوعود السعيدة وعندما علمت ضي أنها حامل لم تصدق الفرحة التي غمرتها ركضت إليه بلهفة وألقت بجسدها بين ذراعيه وهمست له بنبرة مرتعشة من السعادة بدموع الفرحة
هتكون أب يا عمر......
أمسك وجهها بين يديه وقبل جبينها بحنان وقال بصوت ممتلئ بالفرحة
حلم حياتي بيتحقق معاك أنت يا ضي عيني.
لكن الفرحة لم تدم طويلا فبعد شهور قليلة فقط فقدت ضي الجنين وفقدت معه جزءا من روحها. كانت تبكي في صمت كل ليلة تخشى أن يسمعها عمر لكنه كان بجوارها يحاول أن يكون قويا من أجلها لكن داخله كان يعج بالعجز وكأن فرحتهما التي لم تكتمل قد أكلت من قلبه كما أكلت من قلبها.
كانت تجلست في زاوية الغرفة تحيط بها الذكريات الحزينه وقد ڠرقت في دوامة أفكارها. كان الصمت يلف المكان إلا من صوت أنفاسها المضطربة. تسللت إلى ذاكرتها كلمات حماتها القاسېة تطرق جدران عقلها بقسۏة أشد من وقع الحقيقة نفسها.
حين جاءت حماتها إلى زيارتها بعد أن فقدت جنينها لم تحمل في جعبتها سوى اللوم والعتاب كأن الفقدان وحده لا يكفي ليكسر قلبها. راحت تجلس قبالتها نظرتها لها متفحصة محملة بالاستنكار قبل أن تتنهد بنبرة ثقيلة وقالت بلهجة متعالية غليظة وبحدة وامتعاض
إلا هو أنت إيه يا ختي مكنتيش عارفة تحافظي على ضناكي! دي نعمة كبيرة وإللي في إيديه نعمة وما يصنهاش يبقى يستاهل إللي يجراله بعد كده.
خفضت ضي عينيها الحزينة متشبثة بالصمت تحاول أن تتماسك أن تحمي نفسها من هذا السيل الجارف من الكلمات الچارحة لكن حماتها لم تكن لترحمها. فاكملت بصوت أشد قسۏة
إزاي العيل ينزل كده من غير ما تخدي بالك! كنتي بتعملي إيه هاه بتتحركي كتير بتشيل حاجات تقيلة أكيد أنت السبب. الواحده مش هتخسر إللي في بطنها كده بالساهل! كل الستات بتحمل وتولد زي الفل إنما أنت بقى......
توقفت عن الكلام لحظة قبل أن تضيف بغمزة ذات مغزى كأنها تلقي عليها اتهاما خفيا وقالت ببرود
ولا يمكن مكنتيش عايزاه!.
تجمدت ضي وأحست بكلماتها كخناجر تنهش صدرها لكن ما جدوى الرد أي دفاع عنها سيكون في نظر هذه المرأة مجرد تبرير واهن. فضلت الصمت ليس ضعفا ولكن لأن عمر كان يقف هناك متحجر الملامح لم ينبس ببنت شفة كأنه لم يسمع إهانات أمه التي تنغرس في كيانها كالسكاكين لكن للحقيقة صدمة كلماتها اخرسته. حاولت ضي أن تتجاهل الألم الذي يعتصرها وأن تقنع نفسها بأن هذه الكلمات ستتلاشى مع الوقت لكنها كانت تدرك في قرارة نفسها أن بعض الكلمات تماما كالچروح العميقة تترك ندوبا لا تندمل أبدا.
حاولت ضي أن تتماسك أن تتجاوز ألم الفقد أقنعها عمر بأنها ستكون أما قريبا وأن الحزن لن يستمر للأبد. وبالفعل حملت للمرة الثانية وتعلقت بالأمل أكثر لكنها فقدت الجنين مرة
متابعة القراءة