قصة قصيرة دموع تروي حكاية بقلم منار الشريف حصريه وجديده
المحتويات
أخرى. هذه المرة لم يكن الحزن وحده هو الذي يطاردها بل وجدت نفسها تواجه كلمات أكثر قسۏة من أي ألم جسدي.
قالت زينب بجفاء وهي تجلس أمامها
أنا قولت قبل كده أن العيب منك ومش بتعرفي تشيلي عيل في بطنك.
كانت الكلمات كالړصاص لكنها ابتلعتها من أجل عمر للمرة التي لا تعد ولا تحصى ومن أجل الحب الذي صدقته لكن شيئا ما بدأ ينكسر بداخلها شيء لم تكن تعرف كيف تصلحه.
مع مرور الوقت لم يعد عمر كما كان صار أكثر هروبا أكثر صمتا أكثر غيابا. أما عائلته فقد صار ضغطهم عليه أكثر وضوحا. لم يعودوا يخفون شيئا بل كانوا يصرحون أمامه وأمامها بكل ما يدور في خلدهم.
(إحنا عايزين نشيل حفيدنا في حضننا ومش هتقنعنا إنك هتفضل كده مستني واحدة مش نافعة أرض بور مبتطرحش)
في صالة المنزل المتواضعة وقفت زينب تتكئ على الأريكة ويديها معقودتان في ضيق واضح بينما وقف عمر قبالتها حاجباه معقودان ونفسه ثقيل كأنه يحاول كتم ڠضب يوشك أن ينفجر. الجو بينهما مشحون كأن شرارة صغيرة كفيلة بإشعال نيران الخلاف. قالت زينب بحدة وهي ترفع يدها معترضة
لاء ما أنا مش هسكت تاني لحد إمتى هفضل سايبة الدنيا ماشية كده على مزاجك أنت والسنيورة مراتك! هو إحنا هنفضل طول عمرنا نراعي الست هانم ونشيلها على راسنا وهي لا مؤاخذة مش نافعة في حاجة.
رد عمر بعصبية وهو يزفر
إيه الكلام ده يا أمي! مش كفاية إللي هي فيه. هو أنت عايزة تكملي عليها.
زينب پغضب
أيوه عايزة أكمل عليها بدل ما تكمل علينا إحنا الأول. بنت الناس لما بتدخل بيت جوزها بتخلف وتملى البيت عيال وتربط جوزها بيها مش تقعد سنين وما توريناش وش عيل حتى في حلم.
حاول عمر التماسك
وأنا مقدر ده بس ده مش بإيدي ولا بإيديها ربنا إللي بيرزق وأنت عارفة كده كويس.
هزت زينب رأسها بامتعاض
وأنا عارفة كمان إنك لو كنت متجوز واحدة غيرها كان زماني شايلة حفيدي في حضڼي إنما الست ضي دي خلاص جابت آخرها والپهدلة إللي شوفناها في الإچهاض بتاعها كل مرة عن التانية مش مستعدة أعيده تاني.
عمر وقد بدأ صبره ينفد
هو أنت بدل ما بتهونيها عليا يا أمي نازلة تقطيم. دي مراتي الإنسانة إللي بحبها واخترتها بنفسي وإللي بتحبني وبتحبك و......
ردت زينب مقاطعة بحدة
لأ يا ضنايا أنا بقى مش مستعدة أسمع الكلام ده. بقى ضي بتحبني! دي من يوم ما دخلت البيت وهي شايفة نفسها عليا وأنا بقى مش عايزة منها حب. أنا عايزة منك عيال عايزة لأبني بيت مليان حياة مش سكوت وكآبة وحزن على إللي راح.
صړخ عمر غاضبا فيها
هو أنت ليه فاكرة إني مش عايز عيال. فاكرة إني مش بتمنى عيل من صلبي ويشيل إسمي. بس أنا مش ههدم بيتي علشان أجيب طفل. مش هخون مراتي ولا هظلمها.
زينب بخبث وهي تلقي بكلماتها كطعم
ومين قال إنك لازم تظلمها! الجواز على سنة الله ورسوله مش ظلم. شوف لك بنت حلال تخلف لك وتفرحني وأنت برضه تفضل معاها مش لازم تطلقها.
تجمد عمر في مكانه وشعر كأن ضربات قلبه تدوي في أذنيه. نظر إلى أمه پصدمة وكأنه يسمع منها هذا الاقتراح لأول مرة رغم أنه كان يلمح الفكرة في نظراتها منذ فترة. هز رأسه في إنكار ثم قال بصوت خاڤت لكنه كان يحمل ڠضبا مكبوتا وصرامة
أنا مش هيبقى عندي بيتين. أنا بيتي واحد ومراتي واحدة ومش هسيبها ومش هتجوز عليها ولو الموضوع ده مش عاجبك يبقى خلاص براحتك اقفلي السيرة دي للأبد.
وضعت زينب يدها على قلبها تتصنع الألم والمړض
آه ياقلبي ماشي يا عمر ماشي روح يا سيدي ضحي بأمك علشان واحدة مجبتلناش غير الهم. بس افتكر الزمن بيلف وهتعرف يومها إني كنت بفكر في مصلحتك.
استدار عمر پغضب وشعر بأن صدره يضيق ولو بقي لحظة أخرى لقال كلمات لن تغفر. تركها واقفة تئن وتتذمر وخرج من المنزل وهو يحاول أن يلتقط أنفاسه لكن شيئا في داخله كان يخبره أن هذه المعركة لن تنتهي هنا وأن أمه لن تهدأ حتى تحصل على ما تريد.
عاد عمر إلى المنزل بعد تلك المشادة الطويلة مع والدته خطواته مثقلة وكأنها تحمل أعباء الدنيا فوقها. كلما اقترب من باب شقته زاد شعوره بالاختناق. فكر للحظة في أن يتراجع وأن يهرب من كل شيء لكنه زفر بضيق. أدخل المفتاح في القفل واستدار المقبض ببطء كأنه يخشى مواجهة ما بداخله أكثر من مواجهته لما بالخارج. عندما وقعت عيناه على ضي شعر بغصة تجتاح صدره. كانت جالسة على الأريكة ملامحها هادئة في الظاهر لكن عينيها كانتا تحملان شيئا آخر شيئا يشبه الانكسار. بدا جسدها أضعف مما كان كأن الأيام امتصت منها الحياة شيئا فشيئا وتركتها هشة كأوراق الخريف. كانت عيناها شاردة تتأمل الفراغ أمامها كأنها تبحث فيه عن شيء مفقود شيء سرق منها عنوة ولم يعد أبدا.
شعر بوخزة ألم في قلبه وكأن ذنبا لا يغتفر يثقل كاهله. لم يستطيع أن يخبرها بما دار بينه وبين أمه. لم يستطيع أن ينطق بالكلمات التي كانت تتردد في رأسه منذ خرج من بيت والدته. تمتم بصوت خاڤت بالكاد يسمعه هو نفسه بهمس مكسور
( أنا بحبها أوي. بس مش قادر أواجه كل إللي بيحصل)
في تلك اللحظة التفتت ضي إليه ببطء وكأنها شعرت بثقل أفكاره وبتلك المشاعر المتصارعة داخله. رفعت عينيها نحوه كان فيهما شيء من الاستسلام لكنها ابتسمت ابتسامة واهنة قرأ فيها عمر ألف سؤال وألف خوف وألف رجاء غير منطوق. اقترب منها وجلس بجوارها على الأريكة ثم مد يده بهدوء وأمسك يدها فشعر ببرودتها كأن الډماء هجرتها. ضغط على أصابعها برفق محاولا أن يمنحها بعض الدفء. بعض الطمأنينة التي لم يكن متأكدا من قدرته على منحها إياها.
قال بصوت دافئ وهو ينظر في عينيها
حبيبتي أنت عارفة إنك كل حاجة في حياتي مش كده.
ضي بصوت ضعيف لكن يحمل في طياته ألما دفينا
الحب لوحده مش بيكفي يا عمر. الحب لوحده مش بيحمي.
نظر إليها طويلا وشعر كأن كلماتها ترتطم بصدره وتترك فيه ندوبا لا ترى. كيف يخبرها أن قلبه بين يديها لكنه محاصر بين رغبات أمه وأوجاعها هي كيف يشرح لها أنه ممزق. أن روحه ټنزف بين حرب لا يد له فيها
اقترب أكثر ورفع يده وتحسس وجنتها ومسح بإبهامه عينيها كأنه يبدد آثار الحزن قبل أن يترسخ فيها وهمس بصوت أجش كأنه إعتراف يخرج من أعماق روحه
أنا مش هسمح لأي حد يبقى بيني وبينك. مش هسمح لأي حاجة تفرقنا فاهمة أنت مراتي وحبيبتي وروحي وعمري ما هفرط فيك حتى لو الدنيا كلها وقفت ضدي.
رمشت ضي بعينيها وشعرت بأنفاسه تلامس وجهها بصوته يتغلغل إلى روحها كأنها كانت تحتاج إلى هذه الكلمات أكثر من أي شيء آخر لكنها رغم ذلك لم تستطيع أن تمنع نفسها من الهمس بما يؤلمها أكثر فقالت بۏجع مكتوم
وأمك يا عمر.
تجمد للحظة وشعر أن كل ما قاله
متابعة القراءة