الفصل التاسع.بقايا عطرُ عتيق بقلم مريم نصار حصريه وجديده
حسين فجأة وكأن الخن قة تزداد في صدره وقال بصوت متهد ج
إزاي يما تقولي أكده هنر ميها كيف يعني! وأني ميهمنيش كلام الناس. أهل الكفر من غير حاجة بيتكلموا على بعضيهم. و خلاص يما الكلام ده ملوش لازمة. أبويا الحج قال كلمته وهو موافق ودي بته وهو أدرى بمصلحتها.
ثم قال بغض ب مكبو ت
أني رايح القهوه. الواحد مش عارف هيلاقيها منين ولا منين. سلاموا عليكوا.
ثم غادر الغرفة مستا ء.وترك حسين والدته جالسة على الفراش تراقبه وهو يغادر بوجهه الملبد بالق لق والحير ة. كانت تشعر بث قل القرار الذي تم اتخاذه ولكنها لم تستطع أن تفعل شيئا حيال ذلك. جلست بصمت تتأمل في مستقبل ابنتها فاطمة وفي المصير الذي ينتظرها مع صبري. كان قلبها يخفق بالأ لم والخو ف على ابنتها الصغيرة لكنها كما قالت لم يكن لديها الخيار.
في الخارج كان الليل قد أسدل ستاره على القرية. سار حسين بخطوات متثا قلة نحو المقهى حيث يجتمع الرجال كل ليلة. كان يشعر بث قل العالم على كتفيه بين ضغو ط والده ومخا وف والدته. عندما وصل إلى المقهى كان الجو مشحونا بالأحاديث المعتادة عن المحاصيل والمواشي وأخبار القرية لكنه لم يكن حاضرا معهم بروحه. جلس على كرسيه المعتاد لكن عينيه ظلتا تحد قان في الفراغ غا رقا في أفكاره.
في تلك اللحظة دخل صديق له ويدعى سعفان ورأى صديقه جالسا في صمت. اقترب منه وجلس وسأله بهدوء
إيه يا يابو صالح كيفك يا راجل ومالك قاعد ساكت أكده مش عوايدك النهارده.
نظر إليه حسين بنظرة عمي قة ولم يقل شيئا في البداية. ثم بعد لحظات من الصمت تحدث بصوت خا فت
مش عارف ياسعفان. بس ياخي حاسس إن الدنيا ز حمت عليا قوي.
ولأنه يعلم أن سعفان بئر أسراره وصديقه المقرب فسرد عليه كل شئ حدث يريد أن يجلي ويريح ما يعتلي صدره ولو قليلا. واصبح سعفان متفهما ما كان يقصده حسين من كلماته المح بطه واردف وقال
عندك حق تحتار بس الموضوع واعر قوي ياصاحبي بس عارف إيه الحل إنك لازم تعرف توزن كل حاجه وتفكر صح. الموضوع ده بالذات المرادي كبير ياحسين واني متوكد إن الحج والحاجة وكمان خواتك شايلين همه.
هز حسين رأسه بتر دد وقال
عارف يا سعفانعارف بس أبويا قال كلمته ومش هينفع نرجع فيها.
تنهد سعفان وقال
بس أختك هي اللي في النص ياصاحبي. لازم تفكر فيها وف مصلحتها أكتر من أي حد تاني.
غمغم حسين بكلمات شبه مكتو مة
أنا فكرت فيها بس خلاص كلمة الحج اتقالت.
وضع يده على كتفه وقال بحكمه
اسمعني ياحسين. المثل بيقولك اني واخويا على إبن عمي. واني وابن عمي على الغريب يعني الأخ في الدرجه الاولى يصاحبي واختك قبلهم كلهم فكر زين يابن الخال في مصلحة أختك وهتلاقي كلامي صح.
كانت القهوة تغص بالأحاديث ولكن في تلك الزاوية كان الصمت يلف الصديقين كل واحد منهما غارق في همومه.
ترك سعفان حسين وذهب وجلس حسين وحده في المقهى. تحت ضوء القمر كان الرجال يجلسون على الطاولات الخشبية القديمة يتبادلون الحديث والضحكات بينما يرافقهم صوت الآلات الذي يعلو ويتناغم مع صوت القمر الذي يراقبهم. الأجواء كانت تنبض بالحياة مع رائحة القهوة والشيشة تملأ المكان مما يزيد من متعة اللحظة.
بدأ أحد الرجال بالأغاني مما جعل الجميع يتوقف عن الحديث ويستمعون بإصغاء. كان صوته ينقل مشاعر عميقة وكل كلمة
كانت تترك أثرا في نفوس الحاضرين فتتسرب إليهم عبر الموسيقى.
.حيث بدأ الرجال الآخرون يعزفون على الربابة. والمزمار وصدح صوت الربابة مع نغماتها الحز ينة تجسد مشاعر الفراق والحنين. من حولهم كانت وجوه الرجال تتأمل في ذكرياتهم وآمالهم.
بدأ أحد الرجال يلقي موالا بصوت عذب وهو ينظر إلى السماء وكأنما يستمد إلهامه من النجوم. كان ينسج كلماته بعناية ملقية أصداء مؤثرة في قلوب الحاضرين واستمعوا له وهو يقول
آخر كلام أمي قالتلي ياولدي أختك أمانة في رقبتك شيلها بين ضلوعك وصونها في عنيك.
مسكت إيدي وقالتلي لو الأيام ضاقت عليها. انت تبقى ليها الستر والأمان.
واكسر اللقمة نصين وياها وازرع في قلبها الحنان.
واستمر في الغناء وكأن صوته ينقل مشاعر الأهل والحنان
اقسم معاها اللقمة والهدمه واسقيها حب وحنان وإن لقيتها حزينة يوم افتح حضنك وخليها تغمض تنام.
خبيها من شړ السنين. وصونها من قسۏة الأيام
إنت يا واد اللي ليها سند. وانت اللي تكمل مكان أبوك.
كان الرجال حوله يتفاعلون مع كلماته وجوههم تنعكس عليها ملامح الفخر والحنين.
خليك ليها بيت وأمان. وارمي همها برة البيبان وما تخلي الليل يطولها انت ليها عزوة اللي غاب.
مهما الزمن يديها هم.. انت عوضها عن اللي راح
البت يا ولدي مهما كانت. بتبقى روحها مك سورة الجناح.
تتبعوا إيقاعه وكأنهم يعيشون في عالم من الذكريات يحمل كل منهم قصته الخاصة.
أسمع نصيحتي ياولدي الأخ لو كان حنين. أخته تعيش ست البنات.
تفرح بيه في الشد ايد وهو ليها عوض السنين اللي فاتت.
ما تسيبهاش تضعف واصل. ولا تخلي د معة ف عينها تبان.
اللي عنده أخ قلبه مليان حنان. تعيش أخته ست البنات.
قلتلها يا أمي ما تخافيش..وصيتك دي جوه عنيا.
دي الحبيبة يما والغالية من القلب للقلب دايما حنية.
وفجأة راحت من غير كلام. لكن صوتها لسه بيرن جوايا.
وصيتني أمي ع البنات. وأنا على عهدها باقي وحافظ الوصية.
وانتشر صدى الأغنية في أرجاء القهوة تتداخل الأصوات مع انسجام الرجال وضجيج الحكايات مجسدين الترابط والألفة بينهم.
كان حسين يجلس في زاوية القهوة يتأمل ما يدور حوله وكلمات الأغنية تتسلل إلى قلبه مثل ضوء خاڤت ينير داخله العتمه. شعر بو جع داخلي وكأن الكلمات تنبهه إلى مسؤولياته. كانت مشاعر متنا قضة تتلاعب به فبينما كان يستمع إلى صوت الربابة الرقيق كان عقله مشغولا بأحاديث والدته وخۏفها على ابنتها الصغيرة. يتبع