الفصل التاسع عشر. بقايا عطرُ عتيق بقلم مريم نصار حصريه وجديده
الفصل التاسع عشر. بقايا عطر عتيق بقلم مريم نصار حصريه وجديده
في الظهيرة كانت الشمس عمودية في كبد السماء ترسل أشعتها الحاړقة على الأرض فتغمرها بضوء شديد وحار يكاد يلهب الأنفاس. عبد اللطيف يسير بخطى واثقة بجانب أخيه عبد الرحيم في الحقل يشير بعصاه إلى الزرع هنا وهناك ويتحدث عن محصول الموسم القادم. فجأة توقف عن الحديث وضع يده على صدره ووجهه يعلوه ألم شديد.
قال بصوت مخڼوق
الحقني ياحج عبد الرحيم... قلبي... قلبي!
تجمد عبد الرحيم في مكانه للحظة ثم صړخ
حجازي! حامد! الحقونا تعالوا بسرعه!
ركض حجازي وحامد نحوهما وحملوا عبد اللطيف الذي سقط على الأرض. كانت أنفاسه ثقيلة وعيناه مغمضتين. أسرع حسين وأخوته الآخرون إلى المكان بعد أن سمعوا الصړاخ.
قال حسين بفزع
يا ولاد شيلوا أبويا عبد اللطيف بسرعه! لازم نروح بيه الوحده الصحيه!
حملوه جميعا في عجلة واتجهوا به نحو الوحدة الصحية حيث كان الحكيم بانتظارهم. وبعد دقائق بدت كأنها ساعات خرج الحكيم من غرفة الكشف.
ركض حسين نحوه يتقدمه الجميع وسأله بقلق بالغ
خير يا حكيم أبويا عبد اللطيف جراله إيه
تنهد الحكيم بحزن ونظر إليهم بعينين تحملان الأسى وقال
للأسف الضغط عنده عالي جدا وعنده مشاكل في القلب. الظاهر إنه في حاجه كبيره مضايقاه.
ازدادت ملامح حسين قلقا وقال بتوتر
طب والعمل يا حكيم قولنا نعمل إيه لو حكمت ننقله البندر دلوقتي نعملها.
هز الحكيم رأسه وقال
سفره دلوقتي ممكن يكون خطړ عليه. الضغط ممكن يعلى أكتر. من المجهود. انا بقول دلوقتي ياحج حسين أنه ياخد العلاج اللي كتبتهوله ويشرب كركديه منقوع. وكمان لازم يبعد عن أي توتر. وبكره لما دكتور الوحدة ييجي أنا هجيبه بنفسي لحد البيت ويكشف عليه. وإن شاء الله يبقى في تحسن وتطمنوا عليه.
هز حسين رأسه موافقا وقال
ماشي يا حكيم. ربنا يستر ويجيب العواقب سليمة.
عادوا بعبد اللطيف إلى البيت وقد بدا التعب واضحا عليه. في الداخل كانت زاهية تقف عند الباب بوجه شاحب ودموع تحاول الهروب من عينيها.
قالت بصوت مرتعش
إيه ياحج عبد اللطيف. إيه اللي جرالك يسندي
دخل عبد اللطيف محمولا إلى غرفته وما إن سمعت سميرة الخبر حتى اندفعت نحو الغرفة وهي تبكي بحړقة
ياقطمة ضهري يانيألف سلامة عليك يا با! بعيد الشړ عنك يا حبيبي.. إيه اللي جرالك بس
رفع عبد اللطيف يده بصعوبة وربت على كتفها بلطف وقال بصوت ضعيف
ما فيش حاجه يا سميرة يا بنتي. شويه تعب وهيروحوا لحالهم. بطلوا نواح عاد أنا راسي مصدعة كاني فيه مطرقه بتدق في راسي.
وضعت سميرة يدها على فمها تحاول كبح دموعها وجلست بجواره تمسك بيده.
دخلت زاهية بكوب من العناب المنقوع وجلست بجواره وهي تحاول مساعدته على تناوله وقالت بحزن واضح ورجفة
أشرب ياخويا أشرب وبالشفا إن شاء الله يا حج. وقوم لنا بالسلامة.
أخذ عبد اللطيف رشفة صغيرة ثم أسند رأسه إلى الوسادة بتعب بينما الجميع يحيطونه بالحب والقلق.
كانت خطوات نوال على السلم مترددة تتسارع أحيانا وتتباطأ أخرى وكأنها تحاول الهروب من مواجهة اللحظة القادمة. كان صالح يسير خلفها بصمت يطالع الأرض بنظرات حائرة. وصل الاثنان إلى باب الشقة فتوقفت نوال برهة قبل أن تضغط زر الجرس بيد مرتعشة.
انتظر صالح بالخارج يقف أمام الباب بثبات زائف يحاول ترتيب أفكاره بينما كانت عيناه تتأمل الباب وكأنه يحمل إجابة لكل تساؤلاته.
في الداخل كان عبد الحميد جالسا خلف مكتبه الكبير. أثاث المكتب كان فاخرا يعكس ذوقا رفيعا ومكانة اجتماعية مرموقة.