الفصل التاسع عشر. بقايا عطرُ عتيق بقلم مريم نصار حصريه وجديده
سوا. الله يهديك.
ضحك صبري ضحكة مختلطة بالتهكم وقال
نصلي في الحرم سويا إن شاء الله يا حج حسين.
وفي تلك اللحظة أدرك حسين أن التوتر بينه وبين صبري لن ينتهي لأنه لن تتغير طباعة لكن عليه أن يتجاوز ذلك من أجل المصلحة العامة. فقط كانت هناك حاجة ملحة لأن يتكاتفوا جميعا ويقفوا إلى جانب عائلتهم في هذه الظروف الصعبة.
البيت الكبير كان هادئا يخلو من أصوات الرجال والصبية الذين خرجوا مع العائلة لزيارة الحج عبد اللطيف. لم يبق فيه سوى صباح وحريم الدار يتنقلن بين الأعمال المنزلية كل واحدة منشغلة بما بيدها. في غرفة صغيرة بجوار المندرة كانت صباح جالسة على المقعد الخشبي القديم تمسك بخصلات شعر ابنتها أمينة وتظفرها بعناية. كانت يدها تعمل بلا توقف بينما عقلها يغرق في أفكارها.
قالت صباح بصوت مليء بالاعتراض وهي تنظر إلى جدائل الشعر التي تتشكل بين أصابعها
يا عيني على بختك المنيل الاجازة الكبيرة لمن جات يقوم الراجل يقع منيهم. يا خۏفي ليفلسع بدري ويتأجل فرحك على صالح.
رفعت أمينة عينيها نحو والدتها وقد ارتسم الحزن على وجهها وقالت بصوت خاڤت
متقوليش كده ربنا يطول في عمر جدي عبد اللطيف. اني بس كل اللي شايله همه يمه زعل سي صالح لما يرجع ويلاقي جده عيان وراقد كده. هيزعل قوي.
تنهدت صباح بامتعاض وهي تمصمص شفتيها ثم ردت بسخرية
شوف شوف! أقول للبت الفرح يمكن يتأجل تقولي مش شايلة غير هم زعل سي صالح. ياختي ده بدل ما تدعي يتم فرحك على خير.
خجلت أمينة من لهجة والدتها الصارمة وانخفضت برأسها قليلا ثم قالت بصوت متردد
الفرح كده كده هيجي يمه. بس الزعل بيفضل جوه معشش في القلوب. واني مش عايزة سي صالح يزعل خالص.
شهقت صباح فجأة وأشاحت بيدها وكأنها تطرد الأفكار المزعجة وقالت بنبرة غاضبة بعض الشيء
مالك يا بت مدلوقة عليه قوي كده ليه اجمدي وجمدي قلبك. بلاش الخايلة الكدابة اللي أنت عاملاها دي. دانتي أحلا وأجمل بت في القواسمه يعني تقعدي حاطة رجل على رجل وتتشرطي كمان.
رفعت أمينة رأسها واعترضت بخفوت
يوه هو أنا تكلمت يمه هو إني ما فيش حاجة بعملها عجباكي خالص ياريتني روحت مع ستي ازور جدي وياهم.
ردت صباح وهي ترفع حاجبها
لا يا ختي ما فيش مراوح ورانا شغل متلتل. وقومي بقى روحي احلبي الجاموسة قبل ما الدنيا تليل واني هقوم أرص المواعين. يلا يلا يا حيلة أمك.
أخذت أمينة شالها ووضعته على رأسها ثم قامت وهي تبتسم بخجل قائلة
حاضر يمه حااضر.
بعد خروج أمينة ظلت صباح جالسة على المقعد شاردة الفكر. كانت عيناها تتابعان الفراغ ويدها على حجرها. شعرت بوخز القلق في قلبها وهي تفكر في الأيام القادمة. لم تنطق بكلمة فقط ظل عقلها يدعو بصمت ترجيا أن تمضي الأمور على خير وأن يتم الله فرحة ابنتها دون معوقات.
بعدما أسدل الليل عباءته على القرية أصبحت الأجواء هادئة وساكنة لا يسمع سوى أصوات الحشرات الخاڤتة في الحقول ووقع خطوات قليلة من المارين العائدين إلى منازلهم. كانت السماء تحمل سواد حالكا يتخلله ضوء خاڤت من مصابيح الكيروسين المتناثرة على الطرقات. البيوت الطينية غارقة في ظلالها والنوافذ مغلقة بإحكام وكأن القرية بأكملها تستعد لغفوة عميقة تحت حضڼ الليل البارد.
داخل منزل الجد عبد اللطيف كانت الغرفة الرئيسية تزدحم بالوجوه المألوفة. عبد اللطيف جلس على سريره متكئا على الوسائد بينما أخوه الحاج عبد الرحيم كان يجلس أمامه
يحاول تخفيف ألمه ببعض الأحاديث الدافئة. حسين وصبري اتخذا زاوية قريبة يشاركان في الحديث بصوت منخفض بينما كان حجازي وحامد جالسين في الخلفية يراقبان الجو بصمت. الجدة نعيمة وزاهية جلستا متجاورتين تتناولان الأعشاب الطبيعية وتتبادلان الهمس حول حالة الجد وكيف يمكنهن مساعدته.
سميرة كالعادة كانت عند قدمي والدها تدعكهما برفق وحنو. ملامحها هادئة لكنها مشغولة بتخفيف آلامه بكل ما أوتيت من حب. الجو في الغرفة كان مشبعا برائحة الدواء ودفء العائلة رغم القلق الذي يخيم في النفوس.
وسط هذا المشهد دوى صوت طرقات على الباب مما جعل الجميع يلتفت نحو مصدر الصوت. ارتفعت أنظارهم وتحرك حامد ليقف لكن سميرة أوقفته بلطف
خليك يا حامد اني اللي هفتح. يمكن حد من الجيران جاي يطمن على أبويا.
بخطوات هادئة وضعت سميرة الغطاء على قدمي والدها بحرص ثم رفعت شالها ولفته حول رأسها وتوجهت نحو الباب. فتحت الباب بحذر وسرعان ما تجمدت ملامحها للحظة عندما رأت صالح أمامها.
دق قلبها بفرح مفاجئ وابتسمت له بحرارة
صالح! ابني! يا ألف الحمدلله على السلامة!
احتضنته بشوق ثم ابتعدت قليلا تتفحص ملامحه وسألت بدهشة ممزوجة بالعتاب
ليه جيت بالليل كده النهار له عينين ياحبيب أمك. إنت جيت مع جوز عمتك ولا جيت في القطر.. تلاقيك روحت على الدار الكبيرة الأول وقالولك اني هن....
لكن كلماتها تلاشت فجأة عندما وقع بصرها على ظل رجل يقف خلف صالح. عبد الحميد كان صامتا يراقب الموقف بهدوء. شعرت سميره بشيء غريب تحدق فيه بتمعن. بدا مألوفا بشكل محير. ملامحه وقفته حتى نظرته جعلتها تشعر أنها رأته من قبل.
تقدم عبد الحميد خطوة نحو الضوء وتجمدت سميرة في مكانها. خفق قلبها بقوة وحيرتها ازدادت ملامح هذا الرجل ليست غريبة لكنها لم تستطع أن تستعيد من يكون. حاولت أن تهز رأسها لتبدد ذلك الشعور الغامض لكن صوته الخاڤت المليء بالتردد اخترق السكون
إزيك يام صالح إزيك يا سمرة
شهقت سميرة بصمت وتوقفت أنفاسها للحظة. كان لقب سمرة الذي نطقه ذلك اللقب الذي لم تسمعه منذ زمن طويل كفيلا بأن يوقظ في قلبها ذكريات مختبئة. اتسعت عيناها بدهشة بينما ظلت تتأمل ملامحه غير قادرة على الجزم لكن صوت الرجل حمل شيئا مألوفا لا يمكن نسيانه.
يتبع