الفصل التاسع عشر. بقايا عطرُ عتيق بقلم مريم نصار حصريه وجديده
المحتويات
برأسه بين يديه. ذكريات قديمة اندفعت إلى عقله كالسيل تغمره صور ووجوه من زمن بعيد كان يعتقد أنه تركها خلفه بلا رجعة.
رفع عبد الحميد رأسه ببطء عيناه تحملان مزيجا من الألم والدهشة وصوته يخفت كأنه يحدث نفسه دون أن يسمعه أحد
سميرة أختي
لكنه فجأة حاول كبح تلك المشاعر المتدفقة متمسكا بجدار الإنكار الذي بناه طوال السنين. نظر إلى صالح محاولا الهرب من مواجهة عينيه وقال ببرود مصطنع
أنا مش فاهم أنت بتتكلم عن إيه. لو عندك حاجة تخص نوال بنتي أو خدمة أقدر أقدمها ليك اتفضل. غير كده أنا مشغول جدا ووقتي مش ملكي.
لكن صالح الذي بات الآن متأكدا من حقيقة نسبه لم يستسلم. ارتفع صوته قليلا وعيناه تتنقلان بين عبد الحميد وشهادة تقدير معلقة على الحائط تحمل اسمه الكامل وجميع بياناتة مؤكدة شكوكه
لا يا خالي لا. أنت عارف أنا بتكلم عن إيه! أنت خالي عبد الحميد اللي نزل مصر علشان يتعلم ويكافح ويبني مستقبله بس مرجعش لأهله وناسه بعدها. ليه مرجعتش! ليه هربت يا خالي
كانت كلماته كالسكا كين تغوص عميقا في ذاكرة عبد الحميد الذي بدأ يتحرك بعصبية محاولا كبح الألم المتصاعد. تابع صالح بعينين تدمعان وحنجرة يثقلها العتاب
حضرتك متعرفش ماما قد إيه مستنياك بفارغ الصبر وعندها يقين إنك هترجع في يوم من الأيام! وجدي عبد اللطيف اللي كل أمله إبنه الكبير يرجع ويخلي الأمل يدب فيه من جديد. وجدتي.. جدتي اللي اتغيرت بسبب غيابك وبقت حد تاني حد قلبه جامد حتى على أقرب الناس ليه. كل ده نتيجة هروبك من ماضيك.
تجمدت نوال في مكانها عند الباب وظهرت بجانبها أختاها يتبادلن نظرات صدمة ودهشة عاجزات عن الفهم أو الكلام. لكن عبد الحميد لم يستطع التحمل أكثر فصاح پغضب مكبوت
كفاية بقى! أنت مين علشان تيجي تحاسبني وتقف قدامي دلوقتي وتواجهني بحاجات أنت متعرفش عنها أي حاجة انت مين رد عليا!
اغرورقت عينا صالح بالدموع لكنه استمر بنفس الحزم صوته يهتز بالانفعال
أنا ابن أختك أنا صالح من عيلة قاسم. وبحمل نفس الد م اللي بيجري في عروقك. أنا اللي من صغري كنت بشوفك حلم بعيد ونفسي ابقى زيك. أنا اللي كل مرة أرجع البلد فيها بمسح دموع أمي وهي بتسألني بفطرتها مشوفتش خالك عبد الحميد يا صالح أنا اللي كنت هتحرم من مستقبلي علشان غيابك وهروبك اللي مالوش تفسير.
وقف عبد الحميد مكانه يحاول التماسك لكنه لم يستطع كبح غضبه تماما فرد بصوت عال
أنا مهربتش! ليه مصممين تقولوا إني هربت وبمزاجي كفايه بقى انت متعرفش حاجه.
اقترب صالح خطوة أخرى وهو يرد بهدوء رغم دموعه
هعرف الحقيقة لما توضحلي. احكيلي يا خالي. قول ليه سبتنا أنا بطلب منك وبترجاك تشرحلي أسبابك.
ثم ابتسم صالح بأمل رغم الجراح
حضرتك مش متخيل لما العيلة تعرف إنك عايش وعندك بيت وأسرة ومركز مرموق ومحترم.. صدقني هيكونوا فخورين بيك جدا.
ابتسم عبد الحميد بسخرية مريرة وترك نفسه يسقط على الكنبة بتهالك كأن الماضي يضغط على كتفيه. رفع رأسه قليلا ونظر لصالح نظرة مليئة بالشجن وقال بصوت متحشرج
أنا مهربتش يا صالح. أنا اشتريت نفسي وبعدت. كل اللي حصل زمان..كان ڠصب عني.
جلس صالح أمامه عازما على الوصول إلى الحقيقة وقال برجاء
صدقني كل حاجة مهما كانت أبعادها ممكن تتصلح. بس احكيلي... إيه السبب اللي بعدك عننا وعن عيلتك السنين دي كلها
ارتعشت شفاه عبد الحميد وتجددت الدموع
متابعة القراءة