الفصل التاسع عشر. بقايا عطرُ عتيق بقلم مريم نصار حصريه وجديده

موقع أيام نيوز

التي سمعها كانت كافية لتغيير نظرته لكل شيء لكنها في الوقت نفسه أثارت داخله مشاعر الحيرة والڠضب. ظل صامتا للحظات يحاول استيعاب ما قيل له ثم رفع عينيه نحو خاله وقال بصوت متردد لكنه يحمل يقينا داخليا
معقول كل اللي بتقوله ده يا خالي أنا متأكد إن محدش في العيلة عنده علم بالحكاية دي ولو كان حد عارف كانت أمي أول واحدة قالتلي.
رد عبد الحميد بهدوء مشوب بالمرارة
إزاي ياصالح محدش يعرف اخويا صبري عارف كل حاجة وهو اللي وصل الخبر لابويا وأمي وهي اللي رفضتني. أكيد كانوا شايفين إن وجودي معاها عار عليهم. علشان كده خبوا الحكايه دي.
تراجع صالح في جلسته مشاعر متضاربة تعصف بداخله. لكنه أجاب بتأكيد 
لا لا صدقني يا خالي ولو حتى خبوا على البلد كلها مش هيخبوا على العيله لأن ما حدش فينا يعرف أي حاجة عنك. طول عمرنا فاكرين إنك خلصت تعليمك وبعدت عن العيله وما حدش شافك بعدها. ولا حد يعرف بجوازك ولا حتى إنك عندك اولاد. كل ده جديد عليا انا شخصيا. أكيد في سوء تفاهم.
كان لعبد الحميد وجه جامد لكن في داخله اشتعلت نيران الظنون. اعتقد أن أهله تعمدوا طمس وجوده وإخفاء كل ما يتعلق به عن العائلة. فكرة أن يكون عارا عليهم كانت تحر ق قلبه لكنها أصبحت منطقية في نظره بعد كل ما حدث.
رغم كل شيء أصر صالح بقوة متحدثا بثبات 
مش هينفع تفضل بعيد كل السنين دي. لازم ترجع معايا البلد ودلوقتي. هناك كل حاجة هتتوضح وكل الأسئلة اللي في قلبك هتلاقي ليها إجابة. وهنعرف الحقيقه.
نظر عبد الحميد إلى صالح ورأى فيه الأمل الذي افتقده لسنوات. لم يكن متأكدا مما ينتظره هناك لكنه قرر أن يخوض الرحلة ولو لمرة أخيرة لعله يجد السلام الذي بحث عنه طويلا.
كانت السيارة تسير على طريق القاهرةالدقهلية تلتف عجلاتها فوق الأسفلت المتعرج بينما كان عبد الرحيم يقود بحذر نظراته تائهة في الأفق وكأنما يهرب من التفكير في كل ما مر به. إلى جانبه جلس صالح يراقب ملامح خاله التي كانت تحمل مزيجا من القلق والحيرة فصمت عبد الحميد لفترة طويلة قبل أن يخرج السؤال الذي كان يزعجه منذ اللحظة التي قرر فيها العودة إلى قريته.
توجه ببطء إلى صالح وسأله بصوت مليء بالتردد 
تفتكر يا صالح يا ابني الخطوة اللي احنا هنعملها دي هتجيب نتيجة انا مش مصدق أنهم يسامحوني بعد غياب العمر الطويل ده.
ارتبك صالح للحظة لكنه سرعان ما رد بثقة محاولا أن ينقل إليه بعض من الأمل الذي لا يزال يملأ قلبه
أنا متأكد يا خالي إن في سوء تفاهم وهيتحل أكيد. وجدتي هتفرح بيك وكل العيلة كمان. وغير كده انت من حقك ترجع لبيتك وعيلتك وتعيش باقي حياتك زي ما تحب.
أصدر عبد الرحيم تنهيدة عميقة كأنه يحرر نفسه من عبء ثقيل ونظر إلى الطريق أمامه قبل أن يجيب بصوت منخفض مليء بالأسى
يا ريت الحياة سهلة كده زي الكلام يا ابني. ما كانش كل ده حصل ولا عانيت من الحرمان بعيلتي سنين عمري كله.
رد صالح مبتسما يحاول أن يمتص القلق الذي كان يملأ الجو 
كل شيء في الدنيا قدر يا خالي. والقدر خلاني اتقابل مع نوال علشان أوصلك. وأكيد علشان ترجع لعيلتك وأهلك ولبيتك.
كانت كلمات صالح تتناثر في الهواء كالندى محاولا أن يزرع في قلب خاله الأمل من جديد بينما كان
تم نسخ الرابط