الفصل التاسع عشر. بقايا عطرُ عتيق بقلم مريم نصار حصريه وجديده

موقع أيام نيوز

كان يرتدي بدلة رمادية أنيقة تتناغم مع ربطة عنق داكنة وشعره مسرح بعناية يزينه خصلات قليلة من الشيب التي أضافت لمظهره وقارا وجاذبية. يبلغ من العمر خمسين عاما تقريبا بملامح حادة ونظرة صارمة تشع هيبة ونفوذا.
دلفت نوال بخطوات مترددة تلتف بأصابعها على أطراف أظافرها في محاولة لتهدئة توترها وتقدمت نحوه بصوت خاڤت يحمل ارتباكا واضحا
نهارك سعيد يابابا.
أبتسم لها قائلا 
أهلا بحبيبتي نهارك سعيد. خلصتي الامتحان بدري
ثم أضاف بفخر.
أكيد انا واثق من كفاءتك وشطارتك. علشان كده رجعتي بدري.
شعرت بجفاف حلقها وقالت متردده
في الحقيقة يابابا. آخر مادة كانت صعبه شوية لكن قدرت بفضل مرجعتك الدايمه ليا إني أخلص ورقة الامتحان في وقت قليل وعلشان كده رجعت البيت أحم
لكن في حاجه تانيه في شاب معايه في الجامعة.. طالب يشوف حضرتك في أمر مهم.
رفع عبد الحميد رأسه ببطء عن الأوراق التي كان يراجعها تطلعت عيناه إلى ابنته بتساؤل واستغراب
شاب عايزني انا ومين ده يا بنتي وعايز يشوفني فين وليه
ابتلعت نوال ريقها بصعوبة وقالت بصوت مغمغم يكاد لا يسمع
هو موجود معايا وصمم أنه يجي لحضرتك بنفسه ضروريومستني حضرتك قدام باب الشقة.. لو تسمح يدخل يقابلك.
لم يخف عبد الحميد دهشته من طلبها وتصرفها الغريب لكنه حاول أن يحافظ على هدوئه فأشار إليها بإيماءة تحمل مزيجا من التسليم والاستغراب
غريبه! تصرف غريب أوي منك يابنتي وأنا ملاحظ من فترة إنك متغيره ومش قادر أفهمك يا نوال يا بنتي.. لكن ما علينا. خليه يتفضل ونفهم مين ده وعايز إيه
خرجت نوال بسرعة مشيرة لصالح بالدخول وعيونها تتهرب من النظر إليه ثم أشارت بيدها نحو المكتب قبل أن تختفي في أحد الغرف.
دخل صالح بخطوات ثقيلة وكأن كل خطوة تزداد معها وطأة الحمل الذي يحمله. توقف عند باب المكتب للحظات يطالع عبد الحميد بنظرات طويلة وعميقة وكأنه يبحث في ملامحه عن شيء مفقود حتى لاحظ الشبه الكبير بين الرجل الجالس أمامه وجده عبد اللطيف. لم يكن الشبه في الملامح فقط بل في طريقة جلوسه نظراته الحادة وحتى هيبته التي ملأت الغرفة.
وقف عبد الحميد يراقبه باستغراب لاحظ نظراته المتفحصة لكنه لم يقل شيئا في البداية. نهض من كرسيه واقترب بخطوات ثابتة قائلا بصوت هادئ ومتعجب
أهلا وسهلا يا ابني. شرفتنا نوال بنتي قالتلي إنك عايز تتكلم معايا ضروري في أمر مهم. خير! ومين حضرتك
ظل صالح صامتا عيناه معلقتان بوجه عبد الحميد يتأمل خطوط الزمن التي رسمتها السنوات على ملامحه. وأخيرا بعد لحظات بدت كأنها دهر نطق بصوت يحمل مزيجا من الدهشة واليقين
حضرتك..المهندس عبد الحميد عبد اللطيف قاسم
ابتسم عبد الحميد بهدوء محاولا تهدئة الموقف
أيوه يا ابني وأكيد أنت عارف هويتي بما إنك جاي لحد بيتي مش موضوعنا لكن.. أي خدمة أقدر أقدمهالك
لم تتحرك عيناه عن عبد الحميد كان يطالع كل تفصيلة في وجهه بعمق قبل أن يرد بصوت خاڤت لكنه محمل بالثقة
حضرتك مواليد مركز المنصورة قرية مېت جابر دقهلية
تغيرت ملامح عبد الحميد فجأة شحب وجهه وشعر بارتجافة غير مرئية تسري في جسده. سأل بصوت يكاد يكون همسا وعيناه تتسعان بدهشة
أنت..أنت مين!
رفع صالح رأسه بثبات وقال بصوت يملؤه العتاب والرجاء
أنا صالح. صالح حسين عبد الرحيم قاسم..وابن أختك سميرة عبد اللطيف قاسم.
كانت الكلمات كالرعد الذي ضړب مسامع عبد الحميد تجمد مكانه للحظات قبل أن يخطو ببطء نحو مكتبه يجلس وكأنه فقد السيطرة على قدميه وأمسك
تم نسخ الرابط