الفصل التاسع عشر. بقايا عطرُ عتيق بقلم مريم نصار حصريه وجديده
المحتويات
في عينيه كأنما حمله الماضي ثقلا لا يزول. نظر إلى صالح وكأنما يرى في وجهه صورة من زمن بعيد ثم همس بصوت مخټنق
جدتك زاهية.
توقفت الكلمات في حلقه لكنه لم يستطع التهرب أكثر فبدأ يغوص في ذكرياته وكأن شريط حياته يعرض أمامه من جديد.
قبل عشرين عاما عاد عبد الحميد إلى قريته الصغيرة بعد غياب طويل متأبطا ذراع فتاة كانت تبدو كأنها خرجت لتوها من صفحات المجلات الراقية. كانت ليلى حبيبتة الجديدة تمشي بجانبه بثقة وأناقة مرتدية تنورة قصيرة تكشف عن أناقتها الحضرية التي بدت غريبة على أزقة القرية الطينية البسيطة. كان عبد الحميد يفيض حماسا وسعادة متطلعا إلى مباركات عائلته ومشاركة فرحته ويريد موافقتهم على الزواج منها.
على مشارف القرية قابل شقيقه صبري الذي كان عائدا من الحقول وعيناه تملؤهما دهشة وقلق من رؤية عبد الحميد برفقة هذه السيدة الغريبة. توقف عبد الحميد ليحكي لصبري عن التفاصيل وليخبره أنه وقع في حب ليلى من النظرة الأولى وأنه جاء إلى هنا ويريد الموافقة واعداد زفاف كبير أمام العائلة ليعم الفرح. لكن صبري الذي بدا قلقا مما قد تثيره هذه الزيارة من مشاكل أخذ عبد الحميد جانبا وأخبره بصوت خاڤت أن عودته بهذه الصورة لن تمر بسلام.
أقنعه صبري بأن يعود إلى المدينة وأن يمنحه فرصة للتمهيد الأمر مع العائلة واعدا إياه بأنه سيحمل إليه أخبارا سعيدة في اليوم التالي. لم يكن أمام عبد الحميد سوى القبول فعاد أدراجه إلى البندر منتظرا أن تتفهم عائلته قراره.
في اليوم التالي وصل صبري محملا بقرار العائلة الذي حمل صدمة لعبد الحميد والدتهم الحجة زاهية طلبت منه أن ينفصل عن ليلى على الفور وأن يعود إلى القرية ليزوجوه إحدى بنات العائلة. كان القرار قاطعا وغير قابل للنقاش وترك عبد الحميد في حيرة بين حبه لليلى وولائه لعائلته.
اختار عبد الحميد أن يتمسك بحبه وعاش مع ليلى في المدينة بعد زواجهما. بعد سنوات أنجبت له ليلى فتاة أسموها نادية وكان عبد الحميد سعيدا بولادتها. ظن أن مجيئه إلى القرية مع زوجته وابنته سيغير نظرة عائلته لكن بمجرد وصوله اعترضه صبري عند باب المنزل مانعا إياه من الدخول.
حاول عبد الحميد إقناع شقيقه لكن صبري أخبره بحزم أن العائلة لا تزال ترفض زواجه من ليلى بعد اعصاء أمرهما وأن والدته ترى إنجاب البنات نذير شؤم. لمح عبد الحميد وهو يحمل صغيرته بين يديه والدته من نافذة خشبية صغيرة وهي تتحدث مع إحدى الجارات عن كرهها لإنجاب البنات مؤكدة أنها تتوقع من أبنائها جميعا أن يرزقوا بالصبية فقط.
عاد عبد الحميد إلى المدينة مجددا محطما وخائب الأمل. أخبر نفسه أنه سيعود إلى عائلته عندما يرزق بصبي يرضي والدته لكن محاولاته باءت بالفشل. أنجبت ليلى ثلاث بنات متتاليات وكان عبد الحميد راضيا بما قسمه الله له لكنه أدرك أنه لن يستطيع العودة إلى قريته أبدا.
كانت ليلى تدعمه طوال تلك السنوات لكنها حزنت لأجله حين شعرت بثقل القطيعة بينه وبين أهله. حملت للمرة الرابعة على أمل إنجاب صبي لكن القدر كان له رأي آخر. أنجبت فتاة لكنها ماټت مع والدتها أثناء الولادة.
منذ ۏفاة ليلى قبل اثني عشر عاما قرر عبد الحميد أن يعيش لبناته فقط. استسلم للغربة التي فرضتها عليه عائلته وډفن حلم العودة إلى قريته عائشا في عزلة عاطفية وحسرة لا تغادر قلبه.
بعد أن أنهى عبد الحميد حديثه شعر صالح پصدمة لم يستطع إخفاءها. الكلمات
متابعة القراءة