رواية وميض اللقاء الفصل الخامس والاخير بقلم الكاتبه آيه شاكر حصريه وجديده
ملامحها فسأل بلطف
ها عايزة تسأليني عن حاجة تانية
ترددت للحظة ثم رفعت عينيها بثبات هذه المرة وسألته
آه... هو إنت كنت بتعمل إيه عند الدكتور عطاء.
أجاب بابتسامة عذبة
كنت جايله في شغل والله يا رهف يعني مكنتش ماشي وراكي والمكان اللي الراجل اتهج م عليكي فيه برده يوم ما كنت ركبت وراكي كان عند شغل هناك وقلت بالمره ساعتها سمعت صوتك المكتوم والراجل بيشدك.
ابتسمت بحرج وصمتت لبرهة ثم سألته
هو إحنا لو حصل نصيب واتجوزنا... هنعيش هنا في القاهرة صح
ظهرت دهشة خفيفة على وجهه قبل أن يرسم ابتسامة واسعة ويجيب
صح.
لمع في عينيه بريق من السعادة وتبادلا نظرة سريعة مليئة بالمعاني التي لم ينطق بها.
شعر كلاهما بدفء اللحظة لكنهما أشاحا بوجهيهما في ذات الوقت لتظهر على وجهيهما ابتسامة خجولة لم يستطيعا إخفاءها.
وتمت خطبتهما لكن ظلت رهف حذرة تتعامل معه برسمية وحيطة.
كانت نظراتها أحيانا تحمل تساؤلات مكتومة وابتسامتها تخفي خلفها قلقا دفينا.
كانت لقاءاتهما في البيت وفي وجود أفراد عائلتها لم تخرج معه ولو مرة واحدة على مدار أربعة أشهر حتى حديثهما عبر الهاتف كان مقتضبا لا يتجاوز الدقيقتين.
وذات يوم في البيت حيث يجلس مالك بين العائلة عرض عليها
إيه رأيك يا رهف نخرج نتغدى بره النهارده
ل... لأ أنا عندي مذاكره كتير.
قالتها باضطراب فنظر مالك لوالدها وقال
طيب بعد إذنك يا عمي بكره هروح أخدها من الكلية.
اومأ والدها بابتسامة رضا فأعاد مالك نظره لرهف وقال
إنتي هتخلصي الساعه كام
أجابت بسرعة وهي تفرك يدها
لأ... آآ... أنا مش هروح الكلية بكره أصلا.
كان والدها يسمع حوارهما وهو يبدل نظراته بين وجه ابنته ووجه مالك فتدخل
مش هتروحي الكليه ازاي إنتي عندك امتحان بكره يا رهف
صمتت لبرهة ثم قالت بتلعثم
آه... صح... كنت نسيت.
قال والدها بحسم
خلاص يا مالك تبقى تجيبها من الكليه بكره إن شاء الله.
ابتسم مالك وأومأ وهو يرمقها سريعا فكان يشعر بقلقها كان يلمح في عينيها خوفا من أن يكرر التاريخ نفسه او أن يتركها كما فعل جده مع جدتها.
حاول طمأنتها مرارا بابتسامات صادقة وعبارات مطمئنة لكنه أدرك أن الوقت وحده كفيل بتبديد مخاوفها فتقبل الأمر بحكمة وصبر.
وتطايرت الأيام حتى جاءت ليلة عقد قرانهما...
كان المكان زاهيا بالألوان تتلألأ الأضواء على وجوه الحضور والأناشيد تصدح بألحان الفرح.
كانت رهف تتألق بفستانها الأبيض وابتسامة خجولة تتسلل إلى شفتيها كلما التقت عيناهما.
كانت نظراتهما تتشابك وسط الحشد أعينهما تشع بنظرات حب لم تنطق لكنها حملت كل الكلمات.
تقدم نحوها بخطوات واثقة صافحها لأول مرة شعر ببرودة أطرافها وبارتجافة خفيفة لم تخف عليه.
مال نحوها وهمس بصوت دافئ
من أول مره شوفتك عرفت إني هقابلك تاني مش هقول حبيتك من أول نظرة بس حسيت إن قلبي عرفك ورغم تصرفاتك الغريبة ونظراتك المريبة اتعلقت بيكي أنا بحبك يا رهف... واطمني... عشان أنا مستحيل أسيب كنزي زي ما عمل جدي مع كنزه أنا عايز أعيش ثري...
تلاقت عيناهما فغمز لها انفرجت شفتاها عن ابتسامة صادقة كأن كلماته أزاحت عن قلبها ثقلا كانت تحمله طويلا.
شعرت بدفء كفه الذي يغمر يدها وتركته يقبض عليها برفق وكأنهما يتعاهدا في تلك اللحظة على مواجهة المستقبل سويا.
وبين الأضواء والألحان تشابكت نظراتهما لتشهد الأقدار على وعد لم ينطق لكنه سطر بين نبضاتهما.
وبعد أعوام...
في غرفة المعيشة حيث تزين أرفف المكتبة الجدار بألوان الكتب المتناثرة وقف طفل في الرابعة من عمره على كرسي يمد يديه الصغيرتين نحو الدفترين المتجاورين.
كانت عيناه اللامعتان تشعان بفضول بريء بينما بدأ يقلب صفحاتهما بحماس دون أن يفهم الكلمات
المكتوبة أو الحكايات المختبئة بين السطور.
مر مالك بجانبه فتوقف عندما رآه يمسك بالدفترين.
للحظة عاد به الزمن إلى الوراء إلى تلك اللقاءات الأولى وتلك الحيرة التي كانت ترتسم على وجه رهف.
ابتسم ابتسامة دافئة واقترب من طفله بهدوء ثم انحنى إلى مستوى عينيه وقال بمرح
يا وله! الدفتر ده غالي عليا... هو اللي عرفني على أمك يا بطل.
ضحك الطفل ببراءة وهو ينظر إلى والده بعينين تتلألآن بالدهشة ثم رفع الدفترين ليعيدهما إليه.
أخذ مالك الدفترين بلطف وكأنهما كنز ثمين وأعادهما إلى مكانهما جنبا إلى جنب على رف المكتبة.
وقبل أن يغادر الغرفة أمسك بجهاز التحكم وشغل التلفاز على قناة القرآن الكريم. صدحت الآيات بصوت هادئ عذب
قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله...
توقف للحظة واستمع بخشوع.
تردد صدى الآية في قلب رهف وهي تقف بالمطبخ تعد الغداء ثم ابتسمت وهتفت بمرح
يا مالك! تعالى اقف جنبي هنا إنت ومحمد وإلا مش هتاكلوا النهارده
ابتسم بحنان وقال
جايين يا قلبي.
وألقى نظرة أخيرة على الدفترين ثم حمل طفله بين ذراعيه ورفعه في الهواء مما أثار ضحكاته البريئة.
سار نحو المطبخ بخطوات واثقة بينما ظل الدفتران في مكانهما شاهدين على وميض اللقاء وحكاية حب كتبت بين القدر والصدفة وعلقت نهايتها في علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله.
النهاية.