الفصل السابع عشر. بقايا عطرُ عتيق بقلم مريم نصار حصريه وجديده
المحتويات
بين أشجار الحديقة. كان يحدق في الأفق البعيد غارقا في أفكاره يدرك جيدا أن حسين أراد من هذا الترتيب أن يمنحه فرصة لقضاء وقت أطول مع صباح وأولاده ربما لإعادة بناء جسور مهدمة بينه وبين زوجته.
لم يكن عبد العزيز على عجل كانت فكرة السفر بالقطار إلى البلدة الأخرى ترهقه لكنه لم يكن ليعصي أمر حسين في يوم العيد. جلس هناك محاطا بسكون الجنينه وأصوات الطبيعة بينما استعدت صباح داخليا للخروج. ارتدت عباءة سوداء مطرزة بخيوط فضية وشالا أبيض يغطي رأسها ثم خرجت لتجلس أمامه في صمت.
كانت الجلسة في الجنينه مشبعة بالهدوء الثقيل حيث الهواء يتماوج ببطء حول الأشجار وحفيف الأوراق يكسر الصمت بين عبد العزيز وصباح. نظرت إليه بعينين مشبعتين بالحزن وكأنها تحمل على كاهلها كلمات ثقيلة أرادت أن تبوح بها منذ زمن بعيد. ترددت قليلا قبل أن تبدأ ثم قالت بصوت واهن يحمل صدقا غير مزيف
عبد العزيز اني عارفة إنك مبقتش طايقني ولا عايز تشوف وشي تاني قدامك. بس اني عاوزه أقولك انت ظالمني ومش قادر تفهمني.
لم يرفع رأسه في البداية لكنه تنفس بعمق وكأنه يستجمع غضبه قبل أن يرد بحدة
مش قادر أفهمك هو انتي خليتي فيا عقل يا صباح عشان أفهم من أساسه
لم يثنها كلامه عن متابعة حديثها. قالت وهي تحاول السيطرة على نبرة صوتها
اني مش وحشه يا عبد العزيز لو فكرت زين هتلاقي إني معايا حق ومش غلطانة في إني.....!
قاطعها عبد العزيز فجأة وقد تصاعد غضبه كالڼار
تاني يا صباح هنرجع للمواويل السودة دي تاني إنتي مبتزهقيش نقول طور يقولوا احلبوه
رفعت يديها بإشارة تدعو للهدوء وقالت بتوسل
اصبر عليا وخليني أكمل كلامي. اني مش بتكلم في دلوقتي إني بتكلم عن اللي فات من سنين طويله.
نظرت إليه بعينين تحملان عمقا وألما ثم أوضحت
اني مجتش على حد ولا ظلمت حد مظلمتش غير نفسي اللي معرفتش مصلحتها وبعدين اني أم وأي أم في الدنيا هتفكر في مصلحة عيالها زي ما عملت. واي واحده في مكاني كانت هتعمل كده وأكتر زمان لما اتكلمت على علام صالح! طلعتني وقتها غلطانة بس لا اني مش غلطانة ومش شايفه نفسي عملت حاجه اتجازى عليها لأن من حق عيالي يتعلموا زيهم زي باقي العيال. مقولتش حاجة عفشة أتجازى عليها بكلامك التقيل معايا. ودلوقتي لما طلبت دار جديدة اني مقصدش إنك وأخواتك تتفرقوا عن بعض يمين بالله مقصدي ولا في نيتي حاجة زي كده.
صمتت لحظة ثم أكملت بصوت يملؤه الحزن
كنت دايما أحلم اني وإنت والعيال يجمعنا بيت واحد. سقف واحد أقوم فيه برحتي وألبس اللي على كيفي وأتدلع على جوزي وأبو عيالي كيف ما أحب وفي أي وقت. أشوف خدمتك وعلى قلبي هتبقى زي العسل. وأخد بالي من العيال. أفتح داري للضيف وأروح للقرايب والأحباب واني شايلة ومحملة من خير الدار. نفسي أكون زي أمي الحجة نعيمة وإنت تبقى زي أبويا الحاج عبد الرحيم. عايزة أعمل دار كبيرة وأطلع من تحتها رجالة كيفك إنت وأخواتك. اني أبدا مش عايزة مشاكل. عيبي إني مش بعرف أرتب حديتي لكن إنت أكتر واحد عارف إن قلبي مش بيشيل ولا بعوز الاڈيه لحدولو كنت غير كده مكنتش اتحملتني العمر ده كله يا أبو راضي.
أغمض عبد العزيز عينيه وكأنه يحاول أن يهرب من ثقل كلامها. فتح عينيه وقال بصوت منخفض لكنه مليء بالعتاب
هو لازم نخسر
متابعة القراءة