الفصل السابع عشر. بقايا عطرُ عتيق بقلم مريم نصار حصريه وجديده
المحتويات
أصبح في السنة الخامسة بكلية الطب.
ذات يوم وبعد انتهاء محاضراته الطويلة توجه صالح إلى محطة الترام مع أصدقائه. كان التعب باديا على وجهه لكنه شعر ببعض الراحة مع نسيم المساء وهو يركب الترام. وبينما كان الترام يتحرك ببطء لفت انتباهه من خلف الزجاج فتاة تركض بخفة محاولة اللحاق به. بدت خطواتها مترددة ومجهدة وكأنها بين خيارين اللحاق أو الاستسلام.
دون تردد مد صالح يده من عند باب الترام ممسكا بيدها ليساعدها في الصعود. استجابت سريعا ممسكة بيده بثقة امتزجت بالخجل. لم يكن هناك مكان شاغر للجلوس لكن صالح تصرف بسرعة وطلب من أحد أصدقائه أن يترك لها مقعده فجلس صديقه بجوارهما بينما استقرت هي على المقعد.
جلست الفتاة وعيناها تشعان امتنانا خالصا. قالت بصوت رقيق ملؤه الخجل
متشكرة لحضرتك.
رد صالح مرتبكا بعض الشيء وبنبرة هادئة
لا شكر على واجب.
أضاف معرفا بنفسه كنوع من كسر الجليد
أنا اسمي صالح طالب في سنة خامسة في كلية الطب. أنتي معانا في نفس التخصص لأن أول مرة أشوفك.
ابتسمت الفتاة على استحياء وبدت كأنها تختار كلماتها بعناية قبل أن ترد
لا أنا في تانية هندسة.
ثم اكتفت بالصمت تاركة خلف كلماتها مساحة غامضة جذبت صالح أكثر.
أما صالح فبين الحين والآخر كان يتأملها بفضول صامت. كانت فتاة جامعية تمثل صورة حقيقية لجمال الستينيات البسيط. ملامحها رقيقة ذات وجه بيضاوي مشرق وبشرة سمراء نقية تكاد تشبه لمعان الحرير تحت ضوء الشمس. عيناها واسعتان بلون بني دافئ تحملان في نظراتهما مزيجا من الحياء والثقة. كانت تضع شريطا أسود بسيطا على شعرها الطويل المجدول والذي انسدل بجمال على كتفيها.
ترتدي قميصا أبيض بسيطا ذا أكمام طويلة مغلقا بأزرار ذهبية صغيرة وتنورة رمادية تصل إلى منتصف ساقيها مع جوارب شفافة وحذاء أسود أنيق ذي كعب منخفض. حقيبتها الجلدية البنية معلقة على كتفها تكمل مظهرها الجامعي المتزن.
شعر صالح بشيء غريب يعتري قلبه إحساس لم يكن يتوقعه. لحظة بسيطة كهذه مد فيها يده للمساعدة تحولت إلى بداية لقصة ربما لم يكن يدرك إلى أين ستأخذه. ظل يتأملها بخجل متقطع وكأن عينيه تحاولان قراءة شيء أعمق مما يظهر على وجهها.
نزلت الفتاة في منطقة راقية لم تخط سوى خطوات قليلة حتى بدأت تركض بخفة نحو بناية شاهقة مكسوة بالرخام تظهر كأنها تعكس أناقة المكان الذي تنتمي إليه. ظل صالح يراقبها من خلف الزجاج يتابعها بعينيه بينما الترام يواصل سيره البطيء. لم تستطع عيناه أن تفارق صورتها حتى اختفت داخل البناية واختفى أثرها تماما.
تنهد بعمق وكأن الهواء يحمل معه حيرة وإعجابا لم يستطع تفسيرهما. ولكن سرعان ما انتبه إلى أصوات ضحكات أصدقائه الساخرة التي ملأت الترام وهو ما جعله يستدير إليهم متسائلا بتردد
إيه بتضحك على إيه انت وهو
رد أحدهم وهو يغمز بعينه ساخرا
إيه يا عم صالح السنارة غمزت ولا إيه
وأضاف الآخر ممازحا
شفتوه يا جماعة وهو بيقولها اتفضلي حضرتك استريحيكان هيمان خالص.
ضاق صدر صالح ورد متذمرا
جرى إيه يابني آدم أنت وهو ما جراش حاجة يعني بنت محتاجة مساعدة وساعدتها جر يمة هي عمركم ما شفتوا حد بيعمل خير
تعالت ضحكاتهم أكثر بينما جلس بجانبه صديقه المقرب رمزي وربت على كتفه مبتسما ثم قال بنبرة جادة ممزوجة بالتحذير
نصيحة مني ليك يا صالح البنت دي بالتحديد ابعد عنها أنت مش قدها.
رفع صالح حاجبيه بدهشة وسأله بفضول
أنت تعرفها يا رمزي
أجاب رمزي بثقة لا تخلو من تفاخر
عيب عليك
متابعة القراءة