الفصل السابع عشر. بقايا عطرُ عتيق بقلم مريم نصار حصريه وجديده
جالس وقالت بمرح
حاضر يا سي بابا! طول عمرك شايل همنا وپتخاف عليا أنا وأخواتي.
نظر أمامه بشرود وبدا في عينيه حزن دفين ثم قال بصوت منخفض
12 سنة من يوم ما والدتك فارقتني وأنا وعدتها وأقسمت إني أخلي بالي منكم. أنت ونادية وكريمة. أنتوا في عيني وقلبي وربنا يحفظكم يا بنتي.
ربتت نوال على كتفه بحنان وقالت وهي تحاول تغيير الأجواء
وربنا يحفظك لينا يا أحن أب في الدنيا. ثواني هدخل اغير هدومي واجي اتغدى معاك اوعى تاكل من غيري.
نظر إليها والدها بابتسامة خفيفة ثم عاد يمسك بالجريدة مستعيدا هدوءه وكأن شيئا لم يكن بينما نوال اتجهت إلى غرفتها بخطوات هادئة. أغلقت الباب خلفها برفق وألقت حقيبتها على الكرسي بجانب المكتب. وقفت أمام مرآتها تفك ضفيرتها التي كانت مشدودة بعناية منذ الصباح تاركة خصلات شعرها تتدلى بحرية على كتفيها.
لم تستطع منع نفسها من التفكير في ذلك اليوم الطويل الذي بدا عاديا في بدايته لكنه انتهى بذكرى غير متوقعة. صورتها في الترام محاولتها اللحاق به ثم يده التي امتدت لتساعدها لم تفارق خيالها. كان هناك شيء ما في نظراته في نبرته عندما قال اسمي صالح... جعلها تشعر بارتياح غريب رغم التوتر الذي صاحبها طوال الطريق.
توقفت عن فك شعرها نظرت إلى انعكاسها في المرآة وابتسامة خجولة ارتسمت على وجهها. بصوت ندي بالكاد يسمعه أحد غيرها همست
صالح.
كررت اسمه مرة أخرى وكأنها تحاول أن تحفظ نغمة صوته وهي تنطقها. شعرت بحرارة خفيفة تغزو وجنتيها فأشاحت بوجهها سريعا عن المرآة كأنها تحاول أن تنسى لكنها عرفت في قرارة نفسها أن هذه اللحظة لن تنسى بسهولة.
جلست على طرف سريرها تقلب الأمر في ذهنها وتتساءل
ترى هل كان الأمر صدفة عابرة أم أن القدر يخبئ شيئا آخر
أغلقت عينيها وعانقت الوسادة الصغيرة بجانبها محاولة تهدئة أفكارها. لكنها دون أن تدرك وجدت نفسها تردد اسمه مرة أخرى وكأنه مفتاح لشيء جديد لم تتعرف عليه بعد.
كان النهار في منتصفه والشمس تلقي بأشعتها الساطعة على الحقول الممتدة بلا نهاية. صوت العصافير ينساب مع نسمات الهواء بينما كانت الأرض تفوح برائحة التراب الممزوجة بنكهة المحصول. حسين جلس تحت شجرة جميز كبيرة في طرف الحقل يحتمي بظلها الكثيف من حر الشمس. أمامه مفارش صغيرة من الخوص وضع عليها الطعام بينما كانت سميرة تخرج الأكل من السله بعناية واضعة بعض العيش البلدي الجبنة القديمة طبق الفول المطبوخ وقارورة من الشاي الدافئ.
رفع حسين رأسه بعد لقمة دسمة ومسح فمه بطرف يده وقال بترو
إني بقول يا سميرة إن الأوان بقى نجوز صالح ولدنا.
توقفت يد سميرة عن ترتيب الطعام ونظرت إليه بدهشة سعيدة كأنما كانت تنتظر هذه الكلمة منذ سنوات. ابتسمت بخجل وهي تقول بحماس
ينهار نادي! ده يبقى يوم المنى ياخويا. أنا كنت مستنيه اللحظة دي من زمان. واني عندي العروسة كمان!
ضحك حسين قليلا ثم أخذ رشفة من الشاي قبل أن يرد بجدية ووجهه يبدو كأنه يرسم قرارات لا رجعة فيها
لاه يا سميرة عروسة ابني محجوزة ليه من سنة فاتت.
كشرت سميرة حاجبيها في استغراب واضح وبدت كأنها تحاول فهم حديثه وقالت متسائلة
محجوزة وتبقى مين دي إن شاء الله
وضع حسين كوب الشاي بجانبه وأجاب بهدوء وعيناه تجولان في الأرض وكأنه يستعيد ذكرى قديمة
بنت عمه عبد العزيز. أمينه.
يتبع