نوفيلا شذرات الأماني بقلم سارة عبد المنعم حصريه وجديده وكامله جميع الفصول
المحتويات
كأم لها لم تر فيها قط الحماة وكانت هي أيضا خير زوجة ابن لها أسندت رأسها على كتف ولدها تخبئ وجهها بين أضلعه فذهب بها بعيدا حتى توارى عن أنظارهم وقد حفرت تلك الحاډثة في ذاكرتهم.
في بيت الحاج محمد النجار..
جاء الجيران على إثر صړاخ الجدة ما زالت ابنتها فاقدة للوعي ولا تعلم لم تأخر إبراهيم ولا تهتدي لأي باب تطرق وقد كام زوجها يغنيها عن العالمين جميعا ولكن رب الرحمة يقدر ويلطف هب لنجدتها كل من وصل إليه صوتها وجاء ابن عمها رحيم على عجل رغم بعد المسافة بينهما يقع بيته في أول القرية وهم في أخرها ولكن للقلب أمور لا يفهمها العقل والجسد ولا يعلم بأنه السبب في ما حدث معها.
رحيم .. أنت هنا .. ساعدني يا بني ..
هبت السيدة وداد واقفة ما أن رأته أمامها وكأن السکينة عادت إليها برؤياه على الرغم بأن ابنتها لم تعد إلى وعيها بعد إلا أن اطمأنت لوجوده ملامحه توشي به وكذلك الخۏف المنطلق في عينيه يتحدث بالكثير وفي هذه اللحظة جاء إبراهيم مع صديقه حسين والطبيب من خلفهم فأفسح الحاضرون له الطريق حتى أصبح على مقربة منها طلب منهم الخروج ليفحصها استجابوا لطلبه على الفور وألسنتهم تلهج بمختلف الدعوات لأجلها كم يحبونها! وشعور الآسف يعتمل داخل صدورهم ما زالت زهرة في ريعان شبابها وفقدت أنيسها.
انفرجت أسارير الحاجة وداد حين سمعت قوله وصاحت في غير تصديق
حامل! ابنتي حامل غير معقول!
الطبيب في ثقة
نعم وفي الشهر الثالث من الحمل ويبدو بأنها قد تعرضت لضط عصبي شديد مما أدى إلى انخفاض الدورة الدموية فسقطت فاقدة للوعي و..
هل ستكون بخير يا دكتور
قاطعه رحيم في قلق ولم يخف عليه ارتباك الحال وزيغ العينين ربت على كتفه في لطف غير مسبوق منه ولكن من يدري لعله كان يحمل يوما بين جنباته قلب إنسان ولا بد بأن هناك حكاية خلف ذلك التحول.
ستكون بخير إن شاء الله ويجب عليك أن تهتم جيدا بصحتها وغذائها منذ الآن.
وجه جملته الأخيرة إليه بنبرة اختلفت كثيرا عن الأولى وكأنها لامست عنده چرحا قديما ثم اختفى من أمام ناظريهم في الحال بعد ما أعطاه روشتة الدواء ولم ينتظر حتى يأخذ حسابه مما جعل الريبة تتسلل في قلب حسين وهمس بخفوت
كيف ذهب عمي بهذه السهولة لا يشبه ذاك المرء الفظ الذي أعرفه فهو لا يفعل شيئا دون مقابل ويتحرك دوما لأجل المال.
ماذا تقول يا حسين
انتبه إبراهيم إليه ولكن لم يسمعه ليقول له الآخر
لا شيء يا صديقي هيا بنا الآن نذهب لشراء الدواء.
أعطني الورقة يا عم رحيم بعد إذنك أخشى أن تغلق صيدلية الدكتور محجوب وحينها لن أتمكن من إحضار العلاج لأمي.
شدد رحيم على يديه يشعره بحنان الأب الذي فقده منذ أسابيع ولكن إبراهيم كان صغيرا على فهم مدلول ذلك والآخر يردد
لا تخف يا إبراهيم أي شيء ستحتاجونه يا بني سأكون أنا له مجيبا.
ذهب رحيم لإحضاره ووقف إبراهيم مشدوها منذ ۏفاة والده لم يجد تلك المعاملة اللطيفة يتعامل معه القادمون وكأنه رجل آسن ويجب عليه أن يتولى المسئولية كاملة الآن شاهدت والدته ما حدث فقد بدأت تستفيق وعلى الرغم من أن جرحها ما زال حديثا وقد يبرر ذلك شدة انفعالها عند سماع قول والدتها إلا أنها الآن ستبدأ في التفكير به لأجل أولادها وذلك الصغير الذي هو على وشك القدوم.
إبر..ااا..هيم .. تعال إلى هنا يا حبيبي.
هرول إبراهيم نحوها وارتمى فوقها كالطفل الصغير اشتاق إلى أحضان أمه وقد غابت عنه لدقائق معدودة فما باله بتلك الساعات الماضية التي مرت عليه كدهور في ثقلها وبدا الحمل عليه شديدا لاتعينه ضعف بنيته على حمله وكيف له بالقيام بأمور الفلاحة فكان ذلك مما جعل والدته تحسم أمرها ووقع قرارها عليه كالصاعقة.
رحيم قد أخبرتني أمي بطلبك للزواج مني وها أنا ذا الآن أخبرك بأنني موافقة.
تفوهت بتلك الكلمات بغتة ما أن رأته أمامها حيث عاد وهو يحمل بين يديه الدواء لأجلها ولعله سيكون جديرا بحمل تلك المسئولية معها ولا يضطر فلذة كبدها إبراهيم إلى تكلف أمرا فوق طاقته.
تنقشع غشاوة الماضي ويعود بنا الزمن إلى الوقت الحاضر حيث الحاج إبراهيم مرتكزا بجسده على الأرض والدمع ينحدر من عينيه كالشلال كلما حاول النهوض سقط وانخلعت عنه عباءته وكأن الأرض تدور من حوله وزعزعت استقرار الحياة في نظره بتلك الفاجعة التي لا يقوى قلبه على احتمالها.
يا حاج إبراهيم .. على مهلك .. ستأذي نفسك..
لم يبال بكلمات حسين صديقه ظل يتعثر وانكب على وجهه عدة مرات حتى أصابته الخدوش في بعض أجزائه وتخضبت أنفه بالډماء يسيل منها دون انقطاع وما أن وصل إليها استسلم لهزيمته وضمھا إلى أحضانه في ألم وهو ېصرخ بصوت مكتوم ضربه رحيلها في مقټل وأخذ يناديها في استنكار
هدى .. يا هدى .. عودي إلي يا حبيبتي أرجوك لمن تتركيني فلا قوة لي والله على العيش من دونك.
يد حانية تربت على كتفه من الخلف وصوت مألوف يهدأ من روعه
أمر الله يا بني اللهم لا اعتراض وإنا لله وإنا إليه لراجعون.
في تلك اللحظة أدرك الواقع فقد كان يظن بأنه داخل كابوس مفزع ويحاول جاهدا الخروج منه ولكن كلمات والدته أصابت الهدف مباشرة مرر أنامله فوق وجهه يمسح عنه الدمع ثم نهض وهو يحملها بين ذراعيه في ثبات وتوجه بها إلى الداخل ولحقت به بعض السيدات المتطوعات في القرية للقيام بتكريم المۏتى من غسل وتكفين لوجه الله تعالى وقالوا عنها الكثير من المحاسن مما شهدوه أثناء ذلك وتم تشييعها إلى مثواها الأخير احتضنها التراب دون استئذان ولم يمهل زوجها حتى يشبع منها أو سمح لها بصنع بعض الذكريات مع صغيرتها التي أصبح اليتم عنوانا لها منذ الصړخة الأولى.
يجلس الحاج إبراهيم أمام باب البيت واضعا رأسه على يده والهم قد أثقله فبأي قلب سيدلف إلى الداخل وقد ذهب سنا نورها وأظلمت الدنيا من حوله فجاء صديقه حسين مواسيا
هون عليك يا صديقي فهي والله ليست بدارنا وكل الأحباب راحلة عسى الله أن يجمعنا بهم في الدار الآخرة.
الحاج إبراهيم وقد خالطت نبرته البكاء
قلبي انكسر يا صديقي وانقصم ظهري فوالله لم تكن مجرد زوجة بل خليلة روحي وحبيبة فؤادي آمنت بي حين كان مستقبلي مظلما رأت النور بداخلي بل هي من أوجدته منذ مجيئها وأنت تعلم كم كانت حكايتنا معقدة! وعلى الرغم من ذلك ساندتني ووقفت معي في وجه الصعاب فتجاوزناها معا ولولاها لما وصلت إلى ما تراه لدي الآن كدت أفقد كل شيء في لحظة غادرة.
استشعر حسين عظم الألم في قلبه فآثر الصمت لا يسعفه القول ولن تجدي في تلك الحالة كلمات العزاء فوضع يده على كتف صديقه في حنان ليكمل قائلا
والله لقد أصبحت حياتي خواء لم يعد لدي ما أعيش لأجله ويا ليت المۏت يتخطفني الآن فألتقي بها في دار البقاء حيث لا رحيل ولا فراق.
وماذا عن سعيد وتلك الصغيرة التي جاءت حديثا إلى هذه الحياة
خرج ذلك السؤال بتلقائية من حسين فإن كان قلبه يتقطع على صديقه إلا أن حال أولاده مثير للشفقة أكثر منه فقد أصبح هو بمثابة الأم والأب معا بالنسبة لهم وأنى له أن يتخلى عن دوره بهذه السهولة
سيرسل الله إليهم من يعتني بهم لن تتوقف الحياة بالنسبة لهم عند فقداننا.
نظر له حسين بلوم ما لبث أن انتقل إلى نبرته وهو يقول
كيف تقول ذلك يا صديقي أنت خير من يعلم بأن الأم والأب لا يعوضون.
عادت به تلك الكلمات إلى الماضي فتذكر ما كان في طفولته ورآه أمام عينه رأي عين كم كان صغيرا وقتها! ولا يعرف شيئا بعد عن صعاب الحياة ولكن الأحداث باغتته ليكبر قبل أوانه ظن بأن العم رحيم سيكون بمثابة أب ثان له وجاء الواقع صاډما بشكل لم يتوقعه.
ولكنك أخبرتني بأن ستكون خير معين لي أنا وأبنائي.
ضحك رحيم باستخفاف وهو يقول بنزق
وهل أنت ساذجة إلى هذا الحد كي تصدقيني
نظرت إليه شذرا والشرار يتطاير من أعينها وظهر جليا في نبرتها
لا لست بساذجة والله ولم أكن أعلم بأنك ماكر إلى هذا الحد وعزائي الوحيد بأنني فعلت ذلك لأجل صغاري.
لم لا تعطيني حقوقي إذن
سألها في حدة لتجيبه في ثبات
لأنني لا أحبك وما زلت على العهد مع زوجي الراحل وسأظل كذلك حتى ألقاه عند رب العالمين.
انتفخت أوداجه وكاد أن يفقد أعصابه بضربها إلا أنه تراجع في اللحظة الأخيرة خوفا على حدوث مكروه للجنين بأحشائه بل لأجل محبتها في قلبه فهو لم يخدعها بوعوده السابقة إلا أنه أراد إزعاجها فقط حين غلبت عليه حاجته إليها ما أصعبه من شعور على المحب حين تكون حبيبة الفؤاد بجواره ولا يأتيها.
صفق رحيم الباب بقوة وذهب إلى الخارج ففوجئ بإبراهيم يقف أمامه وينظر إليه في ڠضب يبدو وأنه قد استمع إلى حديثه مع والدته تشاجر معه لأجلها فما لبث أن أوقعه أرضا فشجت رأسه وتركه مضرجا في دمائه أصبح يمثل بالنسبة إليه وحش كاسر فحزن رحيم من نفسه لا يدري ما الذي أصابه في هذه الليلة والتي هي من المفروض أن تكون من ليال الهناء والسعادة لم يمر على زواجه سوى بضعة أيام ولكن الرياح جاءت بما لا تشتهيه السفن.
إبراهيم .. حبيبي .. ما الذي حدث معك ولم لم تناديني
تسأله في لهفة ممزوجة بالخۏف إلا أنه حاول طمأنتها
أنا بخير يا أمي لا تخافي لقد تعثرت قدماي ففقدت اتزاني.
هيا بنا لنذهب إلى الطبيب.
لا يا أمي أنا بخير وابنك سيكون رجلا يا أمي والله لن أخلف لك وعدي.
انعكس الحزن في عينيها إذن فقد استمع إبراهيم لما حدث وتعلم بأن الأمر سيكون وقعه أليما على قلبه وهي التي ظنت بأنها تفعل ذلك لأجل سعادته إلا أن رحيم لم يكن ذلك النبيل الذي تمنته لا يفكر سوى في نفسه وخدعتها والدتها بكلامها المعسول عنه فاجتاحها الندم وأحاط بها من كل اتجاه ولا تعرف ماذا هي فاعلة بشأن رحيم زاد الطين بلة بزواجها منه فنظرت إلى الأعلى في ألم وكأنما تخاطب السماء والدمع يهطل بغزارة من مقلتيها زفرت في يأس وهي تردد في قلة حيلة
يا رب.
لم تمض سوى ساعات معدودة وجاءها الخبر الأليم أصيب رحيم في حاډث حيث كان يقود بسرعة چنونية
متابعة القراءة