قصة حظ عاثر بقلم الكاتبة سمر إبراهيم حصريه وجديده وكامله جميع الفصول
المحتويات
نسخة لم تختبرها من قبل.
جلست قرب النافذة وأحاطت حقيبتها الصغيرة بذراعيها كأنها درع وحيد. خلفها أصوات الباعة يتسللون بين المقاعد ينادون على شاي وقهوة وبسكويت وأمامها أفق جديد يمتد على القضبان.
تحرك القطار ببطء أول الأمر حتى ارتجفت النوافذ واهتزت الأرضية تحت قدميها ومع ازدياد سرعته أحست أن طنطا تنسحب من حياتها شيئا فشيئا وأن القاهرة تقترب كقدر محتوم.
لم يكن بداخلها سوى سؤال واحد يلح بلا جواب
هل ستعود يوما كما غادرت أم أن هذه الرحلة ستغير كل شيء
حين هدأ ضجيج الركاب وتحول إلى همسات متقطعة أسندت رأسها إلى زجاج النافذة البارد القطار يندفع إلى الأمام في عناد يهتز بجسدها كأرجوحة حديدية حتى تداخل صوت العجلات المنتظم مع أنفاسها المتسارعة فانسلت إلى نوم ثقيل متناسية جميع نصائح والدتها.
مرت الساعات عليها كلمح البصر لكنها على القضبان كانت دهورا عبر فيها القطار مدنا وقرى محطات تصحوا مع وهج الشمس الساطع وحقولا تبدو وكأنها سجادة ملونة تتدرج من الأخضر للذهبي من الأحمر للأبيض تحت سماء زرقاء صافية تتخللها أسراب طيور تحلق ببطء.
بدأت تتململ في نومها تشعر وكأنها قد غفت لوقت طويل تسرب إلى أذنيها صوت بائع جوال ېصرخ
شاي قهوة لب وسوداني.
فتحت عينيها بارتباك لتجد نفسها وسط عربة تختلف تماما عما رأته قبل أن تنام جلست في دهشة تدور بعينيها حولها لتجد وجوه غريبة تحيط بها ملامح لم ترها من قبل فإذا برجال بجلابيب فضفاضة وعمائم بيضاء يتسامرون بصوت مرتفع وأحدهم يمد يده من النافذة بعصاه ليختبر الهواء بينما آخر يضع فوق حجره كيسا يتحرك وكأن فيه دجاجة حية.
ارتبكت شعرت أن القطار قد بدل ركابه أثناء نومها. كل شيء صار غريبا الأصوات اللهجات وحتى النظرات الفضولية الموجهة إليها.
أمسكت بحقيبتها بقوة والذهول يعلو وجهها وهي تهمس لنفسها
هو فيه إيه هو أنا بحلم ولا دخلت عالم موازي
على الجهة الأخرى جلست نساء يرتدين الزي الصعيدي يحملن أطفالا ينامون في أحضانهن ويفتحن علبا مليئة بالخبز والجبن البلدي فتملأ العربة روائح المطبخ القروي مدت إحداهن يدها نحوها لتناولها قطعة خبز وهي تضحك قائلة
كلي يا عروسة السكة طويلة.
شكرتها باقتضاب وأخذت تحدق في الوجوه ثم تمتمت بذهول لا يخلو من السخرية
هو فيه إيه هو ده قطر القاهرة ولا سوق الجمعة.
نظرت من النافذة المشهد اختلف. لم تعد بيوت طنطا المتجاورة ولا أضواء القاهرة الصاخبة بل مبان هادئة متواضعة ووجوه غريبة لكنها مطمئنة. شعرت وكأن القطار قد ابتعد كثيرا عن كل ما هو مألوف وأنها الآن متواجدة في عالم آخر تجهله عالم له إيقاع مختلف وحكايات أخرى.
شعرت أن النوم الذي أخذها كان أشبه ببوابة غفت وهي بنت تبحث عن مستقبل واستيقظت لتجد نفسها على أعتاب أرض قد تغير كل شيء.
للحظات كانت تتوهم بأنها لازالت نائمة ما هذا سوى حلم غريب يقارب الواقع ولكن صوت رنين هاتفها حطم كل أوهامها.
أمسكت بالهاتف محدقة بشاشته التي تنير باسم والدها وأجابت بتيه
ألو.
أتاها صوت والدها الغاضب
انتي فين يا رنا كل ده مبترديش على تليفونك ليه
لم تجد ما تجيبه به فهي نفسها لا تعلم ما حدث وكأنها دخلت فجوة زمنية لم تخرج منها سوى الآن فأجابت بتلعثم خشية أن يطول صمتها ويزداد قلق والدها
م م معلش يا بابا حقك عليا التليفون كان في الشنطة ومسمعتوش.
طب الحمد لله إنك بخير يا حبيبتي انتي روحتي الجامعة ولا لسة في المدينة الجامعية أصلي لما
متابعة القراءة