الفصل الثالث عشر. بقايا عطرُ عتيق بقلم مريم نصار حصريه وجديده
المحتويات
نساء الدار بانتظار العيديات كذلك فابتسم الجد وهو يوزع عليهن أيضا وأعطى لكل واحدة منهن العيدية مضاعفة عن الأطفال كنوع من التقدير والاحتفاء بهن.
أما الأزواج فلم ينسوا تقديم عيديات بسيطة لزوجاتهم في لفتة تعبر عن الشكر والمحبة الصادقة. تقبلت الزوجات تلك العيديات بابتسامة خجولة ورضا مشاعر زادت من الألفة وأضفت دفئا على صباح العيد حيث عمت البهجة أرجاء الدار.
على الطاولة الخشبيه كانت صواني الكعك والقرص والمعجنات التي قضت النساء الأيام الماضية في تحضيرها بجهد واعتزاز. تجلس العائلة حول الطاولة وأمامهم أكواب الشاي بالحليب لتناول الفطور التقليدي الذي يختلف طعمه وحلاوته في صباحات العيد. كانوا يغمسون الكعك الطري في الشاي يتذوقونه بنكهة تعب الأيام الماضية ويشعرون بلذة اللحظة التي جمعتهم كعائلة في أجواء ممتلئة بالدفء والسرور.
وبينما يهنئون بعضهم البعض كان الجيران يدخلون بيوت بعضهم البعض يقدمون التهاني ويتبادلون الحلوى. لم تكن الأبواب تغلق في هذا اليوم فالكل يشارك بعضه بعضا فرحة العيد ويتجول بين البيوت يقدم التبريكات ويستقبلها وكأنهم أسرة واحدة كبيرة.
كانت أجواء العيد في تلك الحقبة البسيطة مليئة بالخير والبركة عادات تحييها المحبة والصلة وفرحة يعيشها الصغير والكبير بلا تكلف تبقى حية في قلوبهم حتى أيامنا هذه.
لكنه لم يكن سوى فصل قصير في قصة حياة العائلة. مرت السنين بسرعة وكأنها تسرق معها تفاصيل الحياة اليومية وتبقي في الذاكرة الأوقات الثمينة التي لا تنسى.
مرت الأعوام وتزوج حسان من ابنة الجيران عزيزة وأنجبا العديد من الأطفال وامتلأت الدار بالخير والبركة بينما تفتحت زهرة الشباب في حياة صالح أخذت خطواته تحمله نحو أولى محطاته الجامعية في كلية الطب عاقدا العزم على تحقيق حلمه. كانت عيون والديه تتلألأ بالفخر كلما ذكر اسمه مقرونا بالجامعة وأضحى حديث القرية التي لطالما رأت فيه رمز الأمل والطموح فاختفى ذلك الطفل الصغير الذي كان يركض في أرجاء الدار وحل محله شاب ناضج له طموحات وأحلام. كانت الحجة نعيمة تلمع عيناها بفخر حين تراه عائدا من البندر محملا بالكتب والأحلام يتحدث عن مستقبله بتفاؤل لا يعكره شيء.
وذات يوم عاد صالح إلى البيت يحمل بين يديه جهاز راديو جديد وكانت هذه الهدية تمثل للعائلة قفزة كبيرة في عالم لم يعتادوا فيه على مثل هذه التكنولوجيا الحديثة. دخل صالح إلى الدار حاملا الجهاز بإعجاب وفرحة وأعلن بصوت عال
يا أهل الدار جبتلكم حاجة حلوة قوي من مصر جبتلكم راديو عشان نسمع النشرة ونسمع منه القرآن والتواشيح!
تجمع أفراد العائلة حوله بوجوه يملؤها الذهول والفرحة. ضبط صالح الموجة بعناية حتى انطلق صوت نشرة الأخبار بصوت لم تألفه الدار من قبل. حين سمعوا صوت الرجل في الراديو لأول مرة ارتبكت سميرة وركضت إلى آخر المندرة وألقت طرحتها على رأسها كأنها تستعد لاستقبال ضيف غير متوقع. أما عزيزة فاړتعبت واندفعت إلى الزاوية مختبئة وكأن الصوت آت من شخص مختبئ في أحد الأركان.
ردة فعل شوق كانت الأسرع إذ جرت نحو الباب وكأنها تفكر في الهرب مما جعل الجو في البيت يبدو وكأنه مشهد من مسرحية كوميدية. بينما كان صالح يشاهد كل ذلك اڼفجر في ضحك هستيري فهو لم يتوقع أن يتسبب الراديو بهذا التفاعل.
بعد لحظات من الارتباك بدأت العائلة تدرك الأمر. وأبدت سميرة ذهولها قائلة
يحلاوة يا ولاد شوفوا صالح جابلنا إيه! راديون.
قهقه صالح عاليا وقال
اسمه راديو يما رررااادديوو.
حاولت سميرة تقليده بتأتأة مضحكة قبل أن تلوح بيدها باستسلام بينما كانت عزيزة تتأمل الجهاز بفضول وتسأل
متابعة القراءة